اهم المواضيع

بناء الحدث الرّوائي في نظرية السّرد والسّيرة النّبوية

 

 

 

بناء الحدث الرّوائي

 

في نظرية السّرد والسّيرة النّبوية

 

سيرة ابن هشام أُنموذجا

 

 

م. م. جعفر جمعة زبون علي

 

 

 

 

 

المقدمة:

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

 

الحمد لله رب العالمين نحمدك اللّهم على نعمة الإيمان بك وشرف الإسلام لك، ونسألك ربنا أنْ تجعل لنا من نورك نوراً يهدينا الخير كله، ويعرّفنا الحق والباطل بحقيقتيهما، حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، ومن الموصوفين بقولك:{الذّينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الذّينَ هَدَاهُمْ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}(سورة الزّمر: آية 18).

وصلِّ وسلم وبارك على خير خلقك ورحمتك المهداة سيدنا محمد ص، أكمل الخلق روحاً وعقلاً، وأقومهم بدناً ورسماً، وأعلاهم قدراً وذكراً، وأرفعهم فضلاً ونبلاً، وأشرفهم مجداً وعزاً، وأحسنهم خُلقاً وخَلقاً، وأصدقهم قولاً وفعلاً، وأصفاهم طويةً وقلباً، وأطهرهم نيةً وقصداً، وأهداهم طريقاً وهدياً، وأرشدهم سلوكاً ومنهجاً، وأسداهم مسلكاً ورأياً، وأنبلهم غايةً ومقصداً، وأكرمهم أصلاً ومحتداً، وأعزهم بيتاً ومنبعاً، وأعرقهم أرومةً وجمعاً.

أدبه ربه فأحسن تأديبه، ورباه فأكمل تربيته، وجعله أشرف النّبيين والمرسلين، وحجةً على جميع العالمين:{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}(سورة الأنفال: آية 42).

اللّهم وصلِّ وسلم وبارك على آلِ محمدٍ وصحبه صلاةً ترضيك وترضيهم وترضى بها عنا يا ربَّ العالمين.

 

أمّا بعد:

فإنَّ معرفة سيرورة النّقد الأدبي العربي الحديث الرّاهن، تعتمد على معرفة الأُصول المعرفية، التي أثرت فيه وتأثر بها، فأصبح من اللّازم دراسة ما اقترضه العرب من غيرهم، وليس هناك دليل على مقدار هذا التّراكم المقترض من المصطلحات النّقدية الحديثة، التي تنتمي إلى حقول معرفية واتجاهات نقدية مختلفة ثوت في الجهد النّقدي العربي الحديث.

ولا نبتعد كثيراً عن الصّواب إذا قلنا أنَّ أبرز نظرية مدّت ظلالها على المنجز النّقدي العربي اليوم هي نظريّة السّرد، التي اقتحمت واجتاحت مصطلحاتها لغة النّقد الأدبي، إذ إنَّ هذه النّظرية أفرزت لنا الكثير من المصطلحات التي شغلت حيزاً كبيراً من كتابات نقادنا العرب سواءً على مستوى العرض النّظري لها، أم على مستوى التّطبيق.

والدّراسات السّردية كثيرة وتعددها في الممارسات النّقدية العربية عكس لنا لغة الآخر، وسيادة لغته تعني سيادة رؤيتهُ وفكره، لا سيادة لغتنا وفكرنا ورؤيتنا للإبداع العربي، وهذا ما جعلنا على جهل بمعرفة ما نحتاج وما لا نحتاج إليه في عملية تمثل الدّرس السّردي في عملنا الإبداعي والمعرفي والنّقدي، وعدم التّفكير بمدى مواءمة هذه المصطلحات لواقعنا وإنتاجنا وبيئتنا الأدبية، ومفاهيمنا للعناصر السّردية الملغّزة والمتعاضلة، هي ما جعلنا نختار هذا الرّكن بالذّات دون غيره، ولذلك قمنا بتسجيل عنوان بحثنا بـ(الحدث السّردي في السّيرة النّبوية - سيرة ابن هشام أُنموذجاً).

ولم ننطلقْ في البحث بدراسة العناصر السّردية في السّيرة النّبوية العطرة من حيث الجانب التّعريفي/ النّظري فقط، بل تخطينا ذلك واستنطقنا النّص التّراثي وطبّقنا الدّراسات السّردية الحديثة عليه، واستطعنا أنْ نحقق نتائج طيبة من خلال صهر النّص التّراثي القديم بالدّراسات الحديثة في بوتقة العمل التّطبيقي.

وقد حاولنا جهد إمكاننا استقصاء ما أمكن من المصطلحات السّردية التي شاعت في نقدنا العربي من حيث النّظرية والتّطبيق، فالدّراسة السّردية واحدة من الموضوعات التي لاقت إهتمام الدّارسين، وكانت محطّ أنظارهم وموضع عنايتهم، وقد استطاعت أنْ تسجلَ لها حضوراً فاعلاً في الأوساط الأدبية، فُكتبت فيها العديد من الكتب والرّسائل الجامعية متناولةً السّرد في قطبي الأدب الشّعر والنّثر.

ولم نجدْ على حد علمنا دراسة للسّيرة النّبوية من الجانب السّردي من لدن أي باحث عربي أو جهة أو مؤسسة علمية أو أكاديمية تصدت لهذا الميدان الوعر والشّائك.

وقد دأبت بعض الدّراسات الحديثة- منها الدّراسة السّردية- على دراسة التّراث العربي القديم ومحاولة قراءته قراءةً جديدة وفق المصطلحات النّقدية الحديثة، ودراستنا هذه إنَّما هي محاولة لاستجلاء بنية السّرد الرّوائي في واحدة من كبريات المؤلفات العربية المتمثلة في كتاب السّيرة النّبوية لابن هشام(ت218هـ).

وقد خُصص هذا البحث لدراسة الحدث في السّرد والسّيرة، وكان على قسمين أوّلهما تناول الحدث في السّرد وأنساق بناء الحدث في السّرد ومصطلحات بنائه، وخُصص القسم الثّاني لدراسة الحدث في السّيرة والأنساق البنائية للحدث من تتابع وتضمين، وسرد مفرد ومكرر ودائري، ثم انتهى هذا البحث بخاتمة عرضتُ فيها أبرز النّتائج التي تم التّوصل إليها، وتلتها قائمة بأسماء المصادر والمراجع المعتمدة.

ولم تخلُ الدّراسة من بعض الصّعوبات التي اعترضت سبيلها من سعة مادة الكتاب وكثرة أخباره، ومن الجدير بالذّكر أنَّ البحث لم يسر بشكل طبيعي دون صعوبات حاولت تعطيل سيره، ولعلّ من أهم العقبات التي واجهت الباحث هي العودة إلى الأصول التّراثية القديمة واستقراء العناصر السّردية وحصرها وتميّزها.

 

وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.

 

 

التّمهيد:

إنَّ الحياة الإنسانية عبارة عن سلسلة من الأفراح والأتراح والأحداث السّعيدة والمآسي والنّجاحات والإخفاقات تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت.

والرّواية حلقة أو حلقات مقتطعة من هذه السّلسلة، فهي تروي أحداثاً حدثت لشخصيات في مرحلة معينة، وتجعلنا نرافقها في آمالها وآلامها وطموحها ونجاحها وإخفاقها، وصراعاتها الدّاخلية والخارجية.

والأحداث في الرّواية غالباً ما تكون صورة عن الأحداث في الواقع ولكن الكاتب ينتقيها بعناية ويكثفها، ففي الرّواية كل ما يحدث للشّخصية مهم بينما في الواقع قد تمر سنوات دون أنْ يحدث شيء مهم في حياة الإنسان.

وليست العبرة بالأحداث مهما بلغت أهميتها، ففي كل يوم تزخر الصّحف بأخبار مختلفة منها العادي ومنها الشّاذ، منها المألوف وغير المألوف، ومنها المهم وغير المهم، ولكن الحدث، في حد ذاته مادة خام كما نرى.

والأحداث سلسلة مترابطة برباطين: رباط الزّمان الذي ينظم هذه الأحداث، ويجعلنا نعرف أيها حدث قبل الآخر، والحبكة التي هي الرّباط المنطقي الذي يبين علاقة الأحداث بعضها ببعض من حيث أنْ أحدها حدث للآخر أو نتيجة له، فليس هناك في الرّواية حدث عرضي أو اعتباطي أو مستقل عن الآخر فكلها مرسومة بدقة، ومترابطة بعناية بما يسمى الحبكة، ولكن الأهم من هذا وذاك هو القيم التي تحملها الرّواية فالأحداث لا ترتبط بالزّمان والحبكة فقط بل بأهميتها وكثافتها وتضمنها للقيم الإنسانية.

وسواء أ كانت الأحداث منتظمة بشكل هرمي: تأزمٌ فعقدةٌ فحل، أو أنَّ الرّوائي اختار أنْ يأخذ شريحة من أحداث شخصية تسير بخط شبه أفقي دون عقدة ظاهرة أو حل، وبنهاية مفتوحة، فيجب أنْ تكون مترابطة يربط بينها الخيط المنطقي الدّقيق الذي يجعل منها حكاية واحدة، وسلسلة ذات فقرات مترابطة.

تختلف الأحداث باختلاف أهميتها في الرّواية، فهناك أحداث لا تستحق أنْ يفصّل فيها الكاتب، ولكنها ليست مهمة بالقدر الكافي ليقدم الرّوائي تسجيلاً حياً لها، بالصّوت والصّورة، أي بالحوار الذي دار بين الأشخاص وبالانفعالات التي رافقت كلا منهم خلال الحدث، بل يكتفي الكاتب بسردها، وتوجد أحداث ثانوية وأحداث سابقة لتاريخ بداية الرّواية يعلمنا بها إعلاماً، وأحداث يومية متكررة يفقدها هذا التّكرر صفة التّميز.

يعد التّسلسل الزّمني للأحداث أهم خصائص السّرد التّاريخي، إذ يكفي أنْ نضع الأحداث في تسلسل زمني حتى نحصل على سرد تاريخي(1)(1) ، وتجري الأحداث في السّرد التّاريخي وفق زمن تسلسلي منطقي، يتألف من بداية ووسط ونهاية، أما الأحداث في السّرد الرّوائي فلا تخضع للتّسلسل المنطقي الذي يحكمها في العالم الخارجي، بل تخضع لمنطق السّرد الرّوائي الذي يتلاعب بالزّمن، فيقدم ويؤخر. وهكذا، فإننا نميز بين زمنين: زمن القصة الذي يخضع للتّسلسل المنطقي للأحداث، وزمن السّرد الذي لا يخضع لهذا التّسلسل(2).

والأمور في حياتنا اليومية تسير على نحو رتيب لا نشعر معها بوجود تبدل أو حركة في مجرى حياتنا، وفي المقابل تنسج يد القدر في الخفاء خيوطاً لا نعلم عنها شيئاً، تتجمع وتظهر على الحياة، وحينما تأتي ساعة الصّفر تأخذ هذه الخيوط طابع الأهمية ضمن حدث يسهم إسهاماً فعالاً في تغيير مجرى الحياة تغييراً كبيراً. ولاحتكاك الأدب بحياة النّاس كان لابد للأديب أنْ يأخذ من قانون الحياة ليخلق القانون الأدبي، وعليه يُعرف الحدث في الرّواية بأنه "تضارب القوى المتعارضة أو المتلاقية الموجودة في أثر معين، فكل لحظة في الحدث تؤلف موقفا للنّزاع؛ تتلاحق فيه الشّخصيات، تتحالف أو تتجابه"(3).

      ولا يخفى الارتباط الوثيق للحدث بعنصري الزّمان والمكان، إذ إنّه يتمثل بمجموعة من الوقائع المتناثرة في الزّمان والمكان، التي "يفضي تلاحمها وتتابعها إلى تشكيل مادة حكائية تقوم على جملة من العناصر الفنية والتّقنية والألسنية"(4). فكلما ازداد تضارب آراء الشّخصيات والأحداث وازدادت الأزمات تعقيدا كلما أصبحت الوضعية متوترة، وغالبا ما يزداد التّوتر كلما اقترب موعد انقلاب الوضع الحالي الذي نحن بصدده(1)، وهذا ما يطلق عليه مصطلح(الحبكة) أو(العقدة) التي تعرف بأنها "مجموعة من الوقائع الجزئية مرتبطة ومنظمة على نحو خاص"(2).

إن كلمة الحبكة مثقلة بالمعنى إذ أنها تحتوي الفعل بأجمعه في مُجمل الأنماط الأدبية متجاوزا بذلك المشهد والحدث إلى حركة الذّهن أو الرّوح في القصائد والرّوايات ذات الطّابع النّفسي"(3).

والحبكة في الواقع عبارة عن شيء يؤدي إلى آخر إذ يبني الكاتب أو الشّاعر موضوعه حول عقدة في خيط الحياة ويحاول حلها بأخذ الخيط من طرفيه متنقلا بهذه العقدة من حال إلى حال(4).

فالحدث عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، إذ يشكل العمود الفقري في بنية القصة، وبه تتحدد أهمية العمل ويتقرر مدى نجاحه أو فشله، فالحادثة الفنية: هي"تلك السّلسلة من الوقائع المسرودة سرداً فنياً، والتّي يضمها إطار خاص"(5).

إنّ الفن القصصي بشتى أشكاله الأدبية(رواية، قصة طويلة، قصة قصيرة، قصة قصيرة جداً، أقصوصة) يقوم على مجموعة من الأحداث، والأفعال السّردية يشدّها رباط زمني، ومنطقي معين. وتختلف هذه الأحداث، وطرائق سردها، وتركيبها، وأنساق بنائها من شكل إلى آخر، وسواء تبسط الحدث أم تعقد، أو كان عائماً، أو سار على وفق تسلسل منطقي، فإنه يبقى وطريقة سرده الذي يميز الفن القصصي، من باقي الفنون الأدبية الأخرى.

لقد أثار عنصر الحدث، ونسق بنائه اهتمام النّقاد منذ القدم، فعُدَّ أرسطو أوّل من أشار إليه في نقد المسرحية، إذ اعتمد على المثلث الذي اشتهر باسمه فيما بعد(3).

ثم قام نقد الرّواية على لبنات هذا البناء الأرسطي، معتمداً مثلث التّطور من(بداية، وقمة، ونهاية).

ولم ينجُ السّرد من أسر هذه الفكرة فقد تبنّاها، ولكن بمثلث ضمني ينطلق فيه الشّكل من البداية إلى النّهاية مفترضاً وجود الذّروة على أنها جزء من الموقف الذي يتناوله؛ وبالرّغم من أنّه يسير بانطلاقة واحدة من البداية إلى النّهاية " ، إلا إنه لا يسير بخط مستقيم، بل بشكل هلال تتوزع عليه مجموعة من الذّرى الصّغيرة التي تشكل نقاط صعود في الموقف سواء كان صعوداً أخلاقيا، أو اجتماعياً، أو نفسياً.

      ولم تترك نصوص السّرد موضوعة البحث عن تبني فكرة المثلث الضّمني للسّرد، أو العناصر الرّئيسة الثّلاث التي حددها(اوكونور) وهي:

أ- العرض.    ب- النّمو.    ج- العنصر المسرحي(1).

      وسنحاول في هذا المبحث أنْ ندرس أنماط الحدث، ونتقصى أنساق بنائه من خلال سَيرَهُ في السّرد، لكننا وقبل الخوض في دراسة الحدث، وأنساق بنائه لابدّ أنْ نُعرّج على قول(أوكونور) إذ يقول: "من الواضح أنَّ كلاً من الرّواية والقصة القصيرة، مع أنّهما تستمدان من نفس المنابع، تستمدان بطريقة مختلفة تماماً"(2). وكذا الحال للقصة القصيرة جداً، فإنها تستمد أفكارها من نفس المنابع أيضاً، ولكن بطريقة مغايرة تماماً للرّواية، وفي هذا الصّدد قول لـ(ترنتويل ميسون وايت): "تستخدم الأقصوصة عادة فكرة أساسية لها، تبدو لأول وهلة حادثة أو مشهداً مقتطعاً من قصة طويلة… ولكن القصة الموجزة تمثل الجوهر… للقصة الأطول منها، ولهذا فإن الأفكار الأساسية العميقة يمكن انتقاؤها من المنابع الاعتيادية للقصة القصيرة"(3).

      ومن هذا نستنتج أنَّ الفنون السّردية كافة تنهل من ينبوع واحد، ولكن كل واحد يعالج موضوعاته حسبما تقتضيه تقنياته وأصوله. فالرّواية مثلاً يكون مركزها المجتمع، فهو المتقدم فيها، وغالباً ما تقدم صراعاً بين أطراف متناقضة، وتتناول مشاكل المجتمع، وقضاياه، في حين يكون مركز القصة القصيرة هو الفرد وإطارها المجتمع الذي يعيش فيه، فتصور مأساة الفرد، لذا قال(اوكونور): إنها "الوعي الحاد باستيحاش الإنسان"(4). بينما تعرض القصة القصيرة جداً فكرة أو حالة تمثل ومضة من الحياة، فأحداثها غالباً ما تكون هامشية مقتطعة من الحياة اليومية. ولعل شكلها حتم عليها الالتّزام بتلك القاعدة- بساطة الحدث- حتى لا تخرج إلى لون آخر من ألوان الفن القصصي.

 

 

 

بناء الحدث في السّرد

إنَّ أغلب مصطلحات بناء الأحداث لم تأخذْ من حيز تطبيقها ما أخذته مصطلحات بناء الأحداث على صعيد الخطاب، التي أشاعها تودوروف بعد أنْ أخذها من توماشفسكي وكان لها أثراً  كبيراً في نقدنا العربي الحديث من حيث تداولها، وهي:

1- التّتابع أو المتتابع أو التّجاور  أو التّسلسل أو المتسلسل(1).

 ويسمى بـ"التّوالدي"(2)، والمصطلح الأول هو الأكثر استعمالاً الآن، والبناء المتتابع هو البناء الذي يقوم على أساس سرد أحداث القصة من بدايتها إلى نهايتها بصور تعاقبية من غير انقطاعات في سير الأحداث وزمنها(3). ويطلق الرّوس عليه مصطلح(النّظم)(4) أيضاً.

2- التّضمين أو الدّمج أو التّرصيع:

المصطلح الأول متدوال الآن ولدقته الدّلالية التي نتفق ومعناه عندنا أي في معاجمنا- وعند الغرب، فالمصطلح الثّاني هو مصطلح يصف التّعريف أو مفهوم المصطلح عند الغرب، و الثّ الثّ كذلك، أما الرّابع فلا يتفق ومعنى التّرصيع والتّضمين في معاجمنا العربية إلا من حيث المجاز، فالتّرصيع يأتي بمعنى التّركيب(5).

كما يأتي بمعنى التّسجيع أو توازن الفواصل في الطّرفين المتقابلين، وهو بهذا يقابل تقابل القصة الأم والقصة الصّغرى المتضمنة فيها في نسق التّضمين.

أما مفهوم نسق التّضمين هو أنْ تتضمن الرّواية أو النّص السّردي قصصا ضمن الإطار العام للقصة الأم، ويأتي هذا التّضمين للقصص داخل البنية الكبرى للنّص السّردي لغايات جمالية وفكرية وفنية. ويطلق على هذا اللّون من البناء(التّأطير)، إذ يعدّ كل من التّضمين والتّأطير نسقا واحدا، وهما قد يختلفان "في أمر واحد هو الدّافع في نشوء كل منهما، ففي الوقت الذي ينشأ فيه(التّضمين) بدافع برهنة على أمر أو فكر ما، أو بدافع رغبة في تأجيل نهاية القصة(1).

كما هو الأمر في "قصص ألف ليلة وليلة" التي ينشأ التّضمين فيها بدافع من رغبة "شهرزاد" في الإفلات من مصير بنات جنسها، عن طريق تأجيل نهاية القصة في الوقت نفسه ينشأ التّأطير- وهو النّظير الأوربي للتّضمين- عندما يفتح الكلام هدفا في ذاته"(2).

وقد اصطلح نقدنا العربي الحديث على(القصة المضمنة) داخل النّص السّردي عدة مصطلحات هي:

أ- القصة المضمنة(3).

ب- القصة النّرجسية.

ج- خلاصة القصة ألام أو القصة الكبرى.

د- القصة الصّغرى.

هـ- اللّقطة المعترضة(4).

 

 

 

ويشير الدّكتور شجاع العاني إلى إنه قد أخذ المصطلح الثّاني من النّاقد الفرنسي جان ريكاردو(1).الذي أخذ هذا المصطلح بدوره من آندريه جيد، وهو يعني فيما يعني أنَّ القصة المضمّنة تنازع القصة الأم أو كما يطلق عليها النّقد الانجلو أمريكي بـ "القصة الإطار"(2) على السّرد أو سرد الأحداث، ويرى النّاقد نفسه أنَّ النّرجسية هذه لا يمكن أنْ تحدث ما لم تكن أحداث القصة الصّغرى تتسم بالطّول بحيث تطغى على أحداث القصة الأم الكبرى- وتنازعها في جاذبية الأحداث، وتنعت القصة المضمنة بـ "المرآة" فهي بمثابة المرآة التي تعكس أحداث القصة الأم وتنبئ عن نهايتها من الدّاخل(3).

وهذا الأنباء بنهاية القصة الأم عبر القصة المضمنة يطلق عليه مصطلح "الأرصاد"(4)، وقد يكون(الأرصاد) المنبئ عن خاتمة القصة الأم متأتيا عن طريق قصة مضمنة بل يكفي أنْ يأتي عن طريق جملة قصصية صغيرة من القصة الأم(5).

ويصنف الدّكتور شجاع العاني القصة المضمنة إلى صنفين اصطلح عليهما بـ:

1- القصة المضمنة الذّاتية: وهي القصة الأصلية الأم- نفسها، وذات علاقة بها وبأحداثها. وهي بمثابة قصص الشّخصيات الفرعية(6)، أي- التّضمين الدّاخلي- .

2- القصة المضمنة الأجنبية: وهي القصة الغريبة عن القصة الأصلية الأم- ولا علاقة لها بالقصة ولا بأحداثها، وإذا ما كانت هناك من علاقة فهي علاقة رمزية أو مجازية، ومن صورها أنْ يعمد القاص إلى تضمين قصة أو نص قصصي معروف وسابق على نصه الوضعي من النّاحية التّاريخية(7).أي(التّضمين الخارجي).

وقد اجمل الباحث الدّرة وظائف التّضمين بما يأتي:

1- "يؤدي التّضمين وظيفة ملء الفراغ والتّوزيع على المستويات السّردية، كما أشار إلى ذلك الباحثان رينيه وبلبك واوستن وارين(1).

2- يؤدي وظيفة تغير مسار الاتجاه السّردي، إذ إنَّ التّنازع القائم ما بين القصة المضمنة والقصة الأم من شأنه أنْ يؤدي إلى تغير النّسق البنائي. مما يؤدي إلى حدوث انتقاله على مستوى السّرد من البناء المتتابع إلى البناء المتناوب والذي يقتضي من الرّوائي أنْ يسرد جُزءً من القصة الأم ثم يتوقف السّرد مدة، ليسرد لنا أحداث القصة الصّغرى.

3- يؤدي وظيفة الأرصاد، حيث تؤدي القصة الصّغرى مهمة الأخبار بنهاية الأحداث أو بالكيفية التي ستؤول إليها الأحداث في القصة الكبرى.

4- الكشف عن المنظور الأيديولوجي للرّواية الكبرى- أي القصة الأم- من خلال ما توضحه لنا القصة الصّغرى من مثل النّظم الاجتماعية والسّياسية.. إلخ التي نشم رائحتها في جو الرّواية.

5- تعليق الحدث في القصة الأصلية وهو إسلوب من أساليب الإخفاء أو الإرجاء يحاول إخفاء رمز القصة لإظهاره بعد حين"(2).

 

 

الأنساق البنائية للحدث في السّيرة

 يسعى الرّاوي إلى التّفنن في أحداثه وسردها، ناسجاً خيوطاً جمالية لإضفاء الرّوح والحيوية على النّص، ويُعرف النّسَق على أنّه "الهيكل البنائي الذي يعتمده الرّاوي في إرسال مرويه"(1).

 أي هو الطّريقة التي يختارها الرّاوي في إيصال الأحداث للمروي له، متبعاً لذلك عدّة طرائق، فهو تارةً يسعى إلى عرضها بأسلوب تتابعي منطقي وتارة أخرى يعرضها بشكل تضميني أو دائري أو فوضوي، وهكذا على وفق ما يراه منسجماً مع نصه السّردي الذي يشتغل عليه.

 وتأتي أهمية النّسق بوصفه عنصراً بنائياً من أنَّ الأحداث لا يمكن لها أنْ تنسجم أو تنتظم من دون أنْ تُبنى على وفق أنساق معينة(2).

 ومن الأنساق السّردية للحدث التي حاولنا استقصائها ضمن كِتاب سّيرة ابن هشام كما ما يأتي:

1ـ نَسَق التّتابع: يعدُ هذا النّسق البنائي من الأنساق "التّي عُرفت منذ زمن طويل وقد هيمن مدة طويلة على فنّ القص بمختلف أجناسه، فقد كانت الأحداث تقدم للسّامع بنفس ترتيب وقوعها أي سردها وبحسب ترتيبها الزّمني"(3).

 وفي هذا اللّون من الأنساق تتم فيه رواية أحداث القصة جزءاً بعد جزء دون أنْ تتداخل أحداثها مع أيّة قصة أخرى، وهو على ذلك من أكثر الأنساق شيوعاً وبساطة(4)، إذ يسعى فيه الرّاوي إلى سرد الأحداث بشكل خيطي متسلسل مخضعاً بناء الحدث "لمنطق السّببية، فالسّابق يكون سبباً للاحق، ويظلّ الرّوائي ينسج حبكة النّص صاعداً إلى الأمام بشكل أفقي خطّي فيتأزم المتن الحكائي في لحظة ما- هي الذّروة- ثم تنفرج في نهاية يغلق فيها الرّاوي النّص"(5).

 وقد جاءت أكثر أخبار ابن هشام منسابة بشكل تتابعي، قدّمها لنا الرّاوي على وفق هذا النّسق البنائي، ولعل من أبرز خواص الخبر وأهمها هو تأكيد الرّاوي على نقل الواقعة الإخبارية نقلاً تتابعياً من دون حدوث أيّة انحرافات بارزة في بنيته الزّمنية(1).

ومن أمثلة هذا البناء ما يعرضه ابن هشام في التّسلسل الزّمني للأحداث فهو يسرد الأحداث متتابعة في الجزء الأوّل من خبر ولادته(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  إلى خبر حديثه(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  عن عصمة الله له في طفولته.

الأمثلة: "وِلَادَةُ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَرَضَاعَتُهُ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وُلِدَ رَسُولِ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ عَامَ الْفِيلِ. ويذكر ابن هشام تتابع الحدث في "رِوَايَةُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ مَوْلِدِهِ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ وَلَدْتُ أَنَا وَرَسُولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عَامَ الْفِيلِ فَنَحْنُ لِدَانِ"(2).

وهكذا يستمر الرّاوي في نقل الخبر وفق تسلسل منطقي دون ملاحظة أي تخلخل زمني بل مضت الأحداث بشكل طبيعي ليصل إلى "إعْلَامُ أُمّهِ جَدّهُ بِوِلَادَتِهِ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا وَضَعَتْهُ أُمّهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) أَرْسَلَتْ إلى جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ: أَنّهُ قَدْ وُلِدَ لَك غُلَامٌ فَأْتِهِ فَانْظُرْ إلَيْهِ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَحَدّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمّيَهُ(3).

ويذكر بعد ذلك متتابعا "فَرَحُ جَدّهِ بِهِ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَالتّمَاسُهُ لَهُ الْمَرَاضِعَ، فَيَزْعُمُونَ أنَّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَخَذَهُ فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ؛ فَقَامَ يَدْعُو الله وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ ثُمّ خَرَجَ بِهِ إلى أُمّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا. وَالتّمَسَ لِرَسُولِ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) الرّضَعَاءَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَرَاضِعُ. وَفَى كِتَابِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قِصّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ: {وَحَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ}( سورة القصص: الآية 12)"(4).

ويستمر ابن هشام في سرد الأحداث إلى أنْ يصل لـ "حَدِيثُ حَلِيمَةَ عَمّا رَأَتْهُ مِنْ الْخَيْرِ بَعْدَ تَسَلّمِهَا لَهُ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبِ الْجُمَحِيّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. أو عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السّعْدِيّةُ أُمّ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) التي أَرْضَعَتْهُ تُحَدّثُ أَنّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، تَلْتَمِسُ الرّضَعَاءَ قَالتّ وَذَلِك فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا. قَالتّ فَخَرَجَتْ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاللّهِ مَا تَبِضّ بِقَطْرَةٍ وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيّنَا الذي مَعَنَا، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجَوْعِ. مَا فِي ثَدْيَيّ مَا يُغْنِيهِ وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدّيهِ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ يُغَذّيهِ- وَلَكِنّا كُنّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْت عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَدَمْتُ بِالرّكْبِ حَتّى شَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا"(1).

ويبقى ابن هشام في التّتابع ويسرد الحدث "حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ نَلْتَمِسُ الرّضَعَاءَ فَمَا مِنّا امْرَأَةٌ إلّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) قِيلَ لَهَا إنّهُ يَتِيمٌ وَذَلِك أَنّا إنَّما كُنّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصّبِيّ فَكُنّا نَقُولُ يَتِيمٌ وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمّهُ وَجَدّهُ فَكُنّا نَكْرَهُهُ لِذَلِك، فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي، فَلَمّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْت لِصَاحِبِي: وَاللّهِ إنّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا، وَاللّهِ لَأَذْهَبَن إلى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنّهُ قَالَ لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي، عَسَى الله أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً. قَالتّ فَذَهَبْتُ إلَيْهِ فَأَخَذْته، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلّا أَنّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ"(2).

ويستمر في سرد الحدث "قَالتّ فَلَمّا أَخَذْتُهُ رَجَعْت بِهِ إلى رَحْلِي، فَلَمّا وَضَعْته فِي حِجْرِي أَقَبْلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتّى رَوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتّى رَوِيَ ثُمّ نَامَا "وَمَا كُنّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَامَ زَوْجِي إلى شَارِفِنَا تِلْكَ. فَإِذَا إنّهَا لَحَافِلٌ فَحَلَبَ مِنْهَا مَا شَرِبَ وَشَرِبْتُ مَعَهُ حَتّى انْتَهَيْنَا رِيّا وَشِبَعًا، فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ. قَالتّ يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: تَعَلّمِي وَاللّهِ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ أَخَذْت نَسَمَةً مُبَارَكَةً قَالتّ فَقُلْت: وَاللّهِ إنّي لَأَرْجُو ذَلِكَ. قَالتّ ثُمّ خَرَجْنَا وَرَكِبْت أَنَا أَتَانِي، وَحَمَلْتُهُ عَلَيْهَا مَعِي، فَوَاللّهِ لَقَطَعَتْ بِالرّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَيْحَك ارْبَعِي عَلَيْنَا، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَك التي كُنْت خَرَجْت عَلَيْهَا ؟ فَأَقُولُ لَهُنّ بَلَى وَاللّهِ إنّهَا لَهِيَ هِيَ فَيَقُلْنَ وَاللّهِ أنَّ لَهَا لَشَأْنًا"(3).

ويبقى ابن هشام ضمن التّتابع الحدثي وهو يسرد الأحداث "قَالتّ ثُمّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الله أَجْدَبَ مِنْهَا، فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبّنًا، فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ حَتّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبّنًا. فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرّفُ مِنْ الله الزّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْتُهُ وَكَانَ يَشِبّ شَبَابًا لَا يَشِبّهُ الْغِلْمَانُ فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا*. قَالتّ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا، لِمَا كُنّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ. فَكَلّمْنَا أُمّهُ وَقُلْت لَهَا: لَوْ تَرَكْت بُنَيّ عِنْدِي حَتّى يَغْلُظَ فَإِنّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَأَ* مَكّةَ، قَالتّ فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتّى رَدّتْهُ مَعَنَا"(1).

وهكذا يستمر ابن هشام في سرد الحدث دون ملاحظة أي تخلخل زمني إلى ذكر خبر "حَدِيثُ الْمَلَكَيْنِ اللذّيْنِ شَقّا بَطْنَهُ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، قَالتّ فَرَجَعْنَا بِهِ فَوَاللّهِ إنّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا بِهِ بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدّ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقّا بَطْنَهُ فَهُمَا يَسُوطَانِهِ. قَالتّ فَخَرَجْت أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعَا وَجْهُهُ. قَالتّ فَالتّزَمْته وَالتّزَمَهُ أَبُوهُ فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك يَا بُنَيّ قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي وَشَقّا بَطْنِي، فَالتّمِسَا فِيهِ شيئاً لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالتّ فَرَجَعْنَا بِهِ إلى خِبَائِنَا"(2).

ويتابع بعد ذلك سرد الحدث في "رُجُوعُ حَلِيمَةَ بِهِ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) إلى أُمّهِ، قَالتّ وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ قَالتّ فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ فَفَالتّ مَا أَقْدَمَك بِهِ يَا ظِئْرُ* وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَك؟ قَالتّ فَقُلْت: قَدْ بَلَغَ الله بِابْنِي وَقَضَيْتُ الذي عَلَيّ وَتَخَوّفْت الأحداث عَلَيْهِ فَأَدّيْته إلَيْك كَمَا تُحِبّينَ قَالتّ مَا هَذَا شَأْنُك، فَاصْدُقِينِي خَبَرَك. قَالتّ فَلَمْ تَدَعْنِي حَتّى أَخْبَرْتُهَا. قَالتّ أَفَتَخَوّفَتْ عَلَيْهِ الشّيْطَانَ ؟ قَالتّ قُلْت نَعَمْ قَالتّ كَلّا، وَاللّهِ مَا للشّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ وَإِنّ لِبُنَيّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ قَالتّ قُلْت بَلَى، قَالتّ رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ أَنّهُ خَرَجَ مِنّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ، ثُمّ حَمَلْتُ بِهِ فَوَاللّهِ مَا رَأَيْت مِنْ حَمْلٍ قَطّ كَانَ أَخَفّ عَلَيّ وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْته وَإِنّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأَسَهُ إلى السّمَاءِ دَعِيهِ عَنْك وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً"(1).

 إذ يتحدث عن ولادة النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  وإعلام أمه لجده في مولده وفرح جده بولادته(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  ثم يذكر خبر طلب الرّضاع له 5 ويذكر حليمة وحالها ويتحدث عن الملكين الذّين شقا صدره(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  ورجوع حليمة به إلى أمه وبعد ذلك يذكر وفاة أمه(عليها السّلام) وحاله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  مع جده عبد المطلب، وإكرام جده له، ثم يذكر وفاة جده عبد المطلب وكفالة عمه أبو طالب بعد ذلك يبقى في التّتابع والتّسلسل إذ يذكر قولا لرجل من لهب عن رسول الله ص قاله لعمه أبي طالب وأنّه ليكون له شأن عظيم ومن ثم يعرض سفره مع عمه أبي طالب إلى الشّام وقصة بحيرى الرّاهب ورجوعهما إلى مكة، بعد ذلك يكون السّرد تضمينيا إذ يقوم ابن هشام في حديثه(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عن عصمة الله له في طفولته وحرب الفجار ونشوب الحرب وقادة قريش، وهذا تضمين للأحداث.

وهنا يكون بعض التّضمين في الأحداث لينتقل الرّاوي من التّتابع إلى التضمين في خبر"تَعْرِيفُهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بِنَفْسِهِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا أَحْسَبُهُ إلّا عَنْ خَالدّ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيّ أنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) قَالُوا لَهُ يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى، وَرَأَتْ أُمّي حِين حَمَلَتْ بِي أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخٍ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا، إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، ثُمّ أَخَذَانِي فَشَقّا بَطْنِي، وَاسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا، ثُمّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثّلْجِ حَتّى أَنْقَيَاهُ ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِمِئَةِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زَنّهِ بِأَلْفِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ فَقَالَ دَعْهُ عَنْك، فَوَاللّهِ لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمّتِهِ لَوَزَنَهَا. هُوَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ رَعَوْا الْغَنَمَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) يَقُولُ مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ قِيلَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله ؟ قَالَ وَأَنَا"(2).

ثم يرجع الرّاوي ويستمر في نقل الخبر وفق تسلسل منطقي دون أي تخلخل زمني ويكمّل التّتابع بذكره "وَفَاةُ آمِنَةَ وَحَالُ رَسُولِ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بَعْدَهَا، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مَعَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَجَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كَلَاءَةِ الله وَحِفْظِهِ يُنْبِتُهُ الله نَبَاتًا حَسَنًا لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) سِتّ سِنِينَ تُوُفّيَتْ أُمّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أنَّ أُمّ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) آمِنَةُ تُوُفّيَتْ وَرَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ابْنُ سِتّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّار ِ تُزِيرُهُ إيّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلى مَكّةَ. إكْرَامُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَهُوَ صَغِيرٌ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتّى يَخْرَجَ إلَيْهِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ؟ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) يَأْتِي وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخّرُوهُ عَنْهُ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعُوا ابْنِي، فَوَاللّهِ أنَّ لَهُ لَشَأْنًا، ثُمّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ وَيَسُرّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ"(1).

ثم يستمر الرّاوي في نقل الخبر تتابعا حينما توفي جده عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وكان عمره(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ثَمَانِ سِنِينَ "هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِ سِنِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبّاسِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ أنَّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ تُوُفّيَ وَرَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ: أنَّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ لَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَرَفَ أَنّهُ مَيّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ وَكُنّ سِتّ نِسْوَةٍ صَفِيّةَ، وَبَرّةَ وَعَاتِكَةَ، وَأُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنّ ابْكِينَ عَلَيّ حَتّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشّعْرَ إلّا أَنّهُ لَمّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ كَتَبْنَاهُ"(2).

كِفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِرَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَكَانَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بَعْدَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَعَ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يُوصِي بِهِ عَمّهُ أَبَا طَالِب ٍ وَذَلِكَ لأنَّ عَبْدَ الله أَبَا رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ أُمّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. وِلَايَةُ أَبِي طَالِبٍ لِأَمْرِ الرّسُولِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الذي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بَعْدَ جَدّهِ فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ"(1).

ويبقى في سرد الأحداث كما جاء في النّص "نُبُوءَةُ رَجُلٍ مِنْ لَهَبٍ عَنْ رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزّبَيْرِ، أنَّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أنَّ رَجُلًا مِنْ لَهَبٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَهَبٌ مِنْ أَزْدَ شَنُوءَةَ- كَانَ عَائِفًا، فَكَانَ إذَا قَدِمَ مَكّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ. قَالَ فَأَتَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ غُلَامٌ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ فَنَظَرَ إلى رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ثُمّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ فَلَمّا فَرَغَ قَالَ الْغُلَامُ عَلَيّ بِهِ فَلَمّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيّبَهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَقُولُ وَيْلَكُمْ رُدّوا عَلَيّ الْغُلَامَ الذي رَأَيْت آنِفًا، فَوَاللّهِ لَيَكُونَنّ لَهُ شَأْنٌ. قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو طَالِبٍ"(2).

ثم يعود إلى حديث تزويجه من خديجة ويكمل التّتابع.

الأمثلة: "حَدِيثُ تَزْوِيجِ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) خَدِيجَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً تَزَوّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ، فِيمَا حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيّ"(3).

خُرُوجُهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) إلى الشّامِ فِي تِجَارَةِ خَدِيجَةَ وَمَا كَانَ مِنْ بَحِيرَى، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ. فَلَمّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مَا بَلَغَهَا، مِنْ صَدْقِ حَدِيثِهِ وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ بَعَثَتْ إلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلى الشّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفَضْلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التّجّارِ مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةَ فَقَبِلَهُ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتّى قَدِمَ الشّامَ. فَنَزَلَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ الرّهْبَانِ فَاطّلَعَ الرّاهِبُ إلى مَيْسَرَةَ فَقَالَ لَهُ مَنْ هَذَا الرّجُلُ الذي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ؟ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ؛ فَقَالَ لَهُ الرّاهِبُ مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ قَطّ إلّا نَبِيّ"(1).

ويسرد الأحداث في خبر "رَغْبَةُ خَدِيجَةَ فِي الزّوَاجِ مِنْهُ، ثُمّ بَاعَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) سِلْعَتَهُ التي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ ثُمّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلى مَكّةَ وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ. فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدّ الْحُرّ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلّانِهِ مِنْ الشّمْسِ- وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أو قَرِيبًا. وَعَمّا كَانَ يَرَى مِنْ إظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إيّاهُ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً مَعَ مَا أَرَادَ الله بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ بَعَثَتْ إلى رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) فَقَالتّ لَهُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- يَا ابْنَ عَمّ. إنّي قَدْ رَغِبْتُ فِيك لِقَرَابَتِك، وَسِطَتِكَ فِي قَوْمِك وَأَمَانَتِك وَحُسْنِ خُلُقِك، وَصِدْقِ حَدِيثِك، ثُمّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمئِذٍ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُنّ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُنّ مَالًا؛ كُلّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ"(2).

ويتابع ذكر الأحدث في خبر "زَوَاجُهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مِنْ خَدِيجَةَ، فَلَمّا قَالتّ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ فَخَرَجَ مَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، رَحِمَهُ الله حَتّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إلَيْهِ فَتَزَوّجَهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عِشْرِينَ بَكْرَةً وَكَانَتْ أوّل امْرَأَةٍ تَزَوّجَهَا رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَلَمْ يَتَزَوّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتّى مَاتَتْ رَضِيَ الله عَنْهَا.

أَوْلَادُهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مِنْ خَدِيجَةَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ الْقَاسِمَ وَبَهْ كَانَ يُكَنّى(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَالطّاهِرَ وَالطّيّبَ وَزَيْنَبَ، وَرُقَيّةَ، وَأُمّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، عَلَيْهِمْ السّلَامُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَكْبَرُ بَنِيهِ الْقَاسِمُ ثُمّ الطّيّبُ ثُمّ الطّاهِرُ وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ رُقَيّةُ ثُمّ زَيْنَبُ ثُمّ أُمّ كُلْثُومٍ، ثُمّ فَاطِمَةُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمّا الْقَاسِمُ وَالطّيّبُ وَالطّاهِرُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ"(3).

وهكذا يستمر الرّاوي في نقل الخبر وفق تسلسل منطقي دون ملاحظة أي تخلخل زمني بل مضت الأحداث بشكل طبيعي، ونسيج متتابع الحدوث، قصده الرّاوي وهو يسرد لنا ما جرى من تزويج النّبي من خديجة وخروجه في تجارتها إلى الشّام وعودته وأولاده منها وتكلم خديجة مع ورقة وينتقل إلى حدث بنيان الكعبة وحكم رسول 5 الله بين قريش في وضع الحجر. ونلاحظ مثل هذا البناء لخبر آخر يسوقه إذ إنّه ساق الخبر عن بنيان الكعبة ليصل إلى كيفية تجزءة الكعبة بين قريش واختلاف قريش في وضع الحجر ولكي يسرد قصة الحية التي كانت في بنيان الكعبة إلخ.. لأنه إنْ لم يذكر حدث بنيان الكعبة لم يستطع أنْ يذكر ما بعده من أحداث ويعد هذا من نسق التّضمين.

بعد ذلك يسرد ابن هشام تضمنينا للأحداث ويورد خبر "أُمّ إبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا إبْرَاهِيمُ فَأُمّهُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيّةُ. حَدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ أُمّ إبْرَاهِيمَ مَارِيَةُ سُرّيّةُ النّبِيّ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) التي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنَ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا"(1).

ويعود ابن هشام لتتابع الأحداث ويذكر خبر "حَدِيثُ خَدِيجَةَ مَعَ وَرَقَةَ وَصِدْقُ نُبُوءَةِ وَرَقَةَ فِيهِ (صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى، وَكَانَ ابْنَ عَمّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيّا قَدْ تَتَبّعَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرّاهِبِ وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلّانِهِ فَقَالَ وَرَقَةُ لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقّا يَا خَدِيجَةُ، أنَّ مُحَمّداً لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ وَقَدْ عَرَفْتُ أَنّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمّةِ نَبِيّ يُنْتَظَرُ هَذَا زَمَانُهُ أو كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ حَتّى مَتَى؟"(2).

لقد سعى ابن هشام إلى ترتيب أحداث الخبر ترتيباً واعياً ضمن سياق أدبي متسلسل عرض لنا فيه ما جرى من كيفية بناء الكعبة وما بعده من أحداث لكي ينتقل إلى خبر الحمس والقبائل التي دانت الحمس ويصف الكعبة وارتفاعها وأول من كساها بالدّيباج.

الأمثلة: "حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانُوا يُهِمّونَ بِذَلِكَ لِيُسَقّفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزًا لِلْكَعْبَةِ وَإِنّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الذي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكًا مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرِو مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ. وَتُزْعِمُ قُرَيْشٌ أنَّ الذّينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إلى جُدّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجّارِ الرّومِ، فَتَحَطّمَتْ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا، فَأَعَدّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكّةَ رَجُلٌ قِبْطِيّ نَجّارٌ فَتَهَيّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا"(1).

ويبقى في سرد الخبر وما كانت من حية في الكعبة "وَكَانَتْ حَيّةً تَخْرَجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ التي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلّ يَوْمٍ فَتَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمّا يَهَابُونَ وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إلّا احْزَالتّ وَكَشّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا، وَكَانُوا يَهَابُونَهَا. فَبَيْنَا هِيَ ذَاتُ يَوْمٍ تَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ بَعَثَ الله إلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا، فَذَهَبَ بِهَا؛ فَقَالتّ قُرَيْشٌ: إنّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ الله قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ وَقَدْ كَفَانَا الله الْحَيّةَ"(2).

ويتابع الحدث في خبر "تَجْزِئَةُ الْكَعْبَة بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَنَصِيبُ كُلّ فَرِيقٍ مِنْهَا، ثُمّ أنَّ قُرَيْشًا جَزّأَتْ الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرّكْنِ الْيَمَانِي لِبَنِي مَخْزُومٍ وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمّوا إلَيْهِمْ وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَكَانَ شِقّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ، وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ، وَلِبَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ، وَهُوَ الْحَطِيمُ"(3). ويستمر ابن هشام في نسق التّتابع ويسرد خبر "هَدْمُ الْكَعْبَةِ وَمَا وَجَدُوهُ تَحْتَ الْهَدْمِ، ثُمّ أنَّ النّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمّ قَامَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَقُولُ اللّهُمّ لَمْ تُرَعْ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لَمْ نَزِغْ- اللّهُمّ إنّا لَا نُرِيدُ إلّا الْخَيْرَ. ثُمّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرّكْنَيْنِ فَتَرَبّصَ النّاسُ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَقَالُوا: نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شيئاً وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ الله صُنْعَنَا، فَهَدَمْنَا. فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ حَتّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلى الْأَسَاسِ (أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ)، أَفْضَوْا إلى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسْنِمَةِ آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ أنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيُقْلِعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمّا تَحَرّكَ الْحَجَرُ تَنَقّضَتْ مَكّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ"(4).

ويستمر في التّتابع ويسرد الأحداث في خبر ابن اسحاق وقوله: "وَحُدّثْت أنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرّكْنِ كِتَابًا بِالسّرْيَانِيّةِ فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَإِذَا هُوَ أَنَا الله ذُو بَكّةَ خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَصَوّرْتُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَحَفَفْتهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ لَا تَزُولُ حَتّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللّبَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْشَبَاهَا: جَبَلَاهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدّثْت أَنّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ مَكّةُ بَيْتُ الله الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ لَا يُحِلّهَا أوّل مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَنّهُمْ وَجَدُوا حَجَراً فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النّبِيّ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بِأَرْبَعِينَ سَنَةً إنْ كَانَ مَا ذَكَرَ حَقّا، مَكْتُوباً فِيهِ مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا يَحْصُدْ غِبْطَةً وَمَنْ يَزْرَعْ شَرّا يَحْصُدْ نَدَامَةً. تَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ وَتُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ أَجَلْ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنْ الشّوْكِ الْعِنَبُ"(1).

ويبقى في التّتابع في خبر "اخْتِلَافُ قُرَيْشٍ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ وَلُعْقَةَ الدّمِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ أنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ ثُمّ بَنَوْهَا، حَتّى بَلَغَ الْبُنْيَانِ مَوْضِعَ الرّكْنِ فَاخْتَصَمُوا فِيهِ كُلّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى، حَتّى تَحَاوَزُوا وَتَحَالَفُوا، وَأَعَدّوا لِلْقِتَالِ فَقَرّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ عَلَى الْمَوْتِ فَسُمّوا لَعَقّةَ الدّمِ. فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أو خَمْسًا، ثُمّ إنّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ وَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا"(2).

ويبقى في التّتابع كما في النّص "إشَارَةُ أَبِي أُمّيّةَ بِتَحْكِيمِ أوّل دَاخِل ٍ فَكَانَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرّوَايَةِ أنَّ أَبَا أُمّيّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَ عَائِذٌ أَسَنّ قُرَيْشٍ كُلّهَا؛ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أوّل مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ فَفَعَلُوا. فَكَانَ أوّل دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا، هَذَا مُحَمّدٌ؛ فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ قَالَ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) هَلُمّ إلَيّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ. ثُمّ قَالَ لِتَأْخُذَ كُلّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا: حَتّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ثُمّ بَنَى عَلَيْهِ"(3).

ويبقى في التّتابع ويسرد "ارْتِفَاعُ الْكَعْبَةِ وَأَوّلُ مَنْ كَسَاهَا الدّيبَاجَ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ثَمَانِي عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيّ ثُمّ كُسِيت الْبُرُودَ وَأَوّلُ مَنْ كَسَاهَا الدّيبَاجَ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ"(1).

ويبقى في التّتابع في سرد خبر "حَدِيثُ الْحُمْسِ عِنْدَ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ- لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ وَقُطّانُ مَكّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظّمُوا شيئاً مِنْ الْحِلّ كَمَا تُعَظّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ وَقَالُوا قَدْ عَظّمُوا مِنْ الْحِلّ مِثْلَ مَا عَظّمُوا مِنْ الْحَرَمِ. فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرّونَ أَنّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ(عليه السّلام) وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلّا أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظّمُ غَيْرَهَا كَمَا نُعَظّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الذي لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ إيّاهُمْ يَحِلّ لَهُمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ. الْقَبَائِلُ التي دَانَتْ مَعَ قُرَيْشٍ بِالْحُمْسِ، وَكَانَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ: أنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِن دَخَلُوا مَعَهُمْ"(2).

وفي خبر آخر من أخبار السّيرة وهو الإسراء والمعراج إذ إنّه يسرد حدث الإسراء والمعراج متتابعاً من أقوال شخصيات عدة تذكر خبر الإسراء إلى أنْ يصل إلى وصف النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) لابراهيم وعيسى (عليهما السّلام) وصفة خازن ملك النّار وصفة أكل الرّبى والزّناة وصفة النّساء اللّآتي يدخلن على أزواجٍ غير أزواجهن.. إلخ. كما جاء في الاسراء والمعراج(3).

إنطلاقاً من أنَّ النّص الأدبي كلامٌ ومن طبيعة الكلام وشأنيتهِ أنَّ يتسلسل مثل الزّمن(4)، فإنّنا نلحظ البناء المتسلسل الذي اعتمده ابن هشام وهو يقص علينا الأخبار المتتابعة والتّي يضّمنها بأحداث أخرى، نجد أنهّ قد ساق خبره وصبّه في قالب أدبي مزجه بالمتعة وإثارة المتلقي في حالة من التّناغم بين القارئ والنّص، وعلى هذه الشّاكلة جاءت كثيرٌ من أخبار السّيرة النّبوية منسوجة ضمن بناء متتابع الأحداث متسلسل الأجزاء(1).

2- نسق التّضمين:

 وهو من الأنساق البنائية التي يعتمدها الكاتب وسيلة لعرض أحداث قصّته للمتلقي، وهذا النّسق "يقوم على أساس نشوء قصص كثيرة في إطار قصة قصيرة واحدة"(2).

ويوظف الرّاوي هذا اللّون من الأنساق محاولة منه لسد فراغ داخل العمل السّردي من جهة، وبحثاً عن التّنوع في طريقة العرض القصصي، دفعاً للملل والسّأم الذي قد يطال القارئ من جهة أخرى(3).

وفي نسق التّضمين تتفرع عن القصة الأم قصةً أو قصص أخرى فرعية إلا أنَّ تعدد القصص هذا ليس مشروطاً "بتعدد الرّواة فبإمكان راوٍ واحد أنْ يعقد علاقات بين مقاطع حكائية مختلفة"(4)، كما حدث عند ابن هشام، ولاسيّما وإنْ كان الكاتب ممن يمتلك الموهبة القصصية والدّقة في اختيار الموضع الذي يعمد فيه إلى توليد القص، مما يسمح بدوره في نشوء سرد كثير يتفرع من القصة الأوّلى إذ تنمو القصص ويتضخم النّص وتزداد الدّلالة.

وقد تميز تراثنا السّردي القديم بأسلوب التّضمين والتّفرع عن الإطار العام(4)، وهذا ما يمكن ملاحظته في كثير من أحداث السّيرة كما يذكر ابن هشام في خبر حديث النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عن عصمة الله له في طفولته وحرب الفجار ونشوب الحرب وقادة قريش إلى حديث تزويجه من خديجة كله تضمينا للأحداث كما مر سلفا في موضعه.

 ومن شواهد ذلك أيضاً، ما يورده ابن هشام في أحداث غزوة بدر وكيفية مقتل أمية ثم يضمّن الحدث بذكر شهود الملائكة ثم يسرد مقتل أبي جهل ثم يضمّن الحدث قصة يسرد فيها شعار المسلمين في بدر ويعود إلى مقتل أبي جهل ثم يذكر خبر سيف عكاشة، لم نورد ما جاء في النّص لأنّه نصٌ طويل ويحتاج مساحة كبيرة لا مجال لها هنا(1).

وعند هذه النّقطة السّردية يعمد الرّاوي إلى اختيار الموضع الذي يسوق فيه قصته الثّانية ليُثبت من خلالها صدق الخبر في أحدث بدر وما كان فيها من أحداث كثيرة متتابعة يضمّنها الرّاوي بأحداث تضمينية هكذا تفرعت حكاية مقتل أمية وأبي جهل عن أحداث بدر وضمنها في قصة أخرى، دفعاً لرتابة الحكي وإبعاداً لمَلَّلٍ قد يطال القارئ وهو يتابع قراءة الخبر.

ومن الأمثلة على نسق التّضمين ما جاء في قول ابن هشام حول "غَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتَ السّلَاسِلِ مِنْ أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أنَّ رَسُولَ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إلى الشّامِ. وَذَلِكَ أنَّ أُمّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ بَلِيّ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) إلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ لِذَلِكَ حَتّى إذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ، يُقَالُ لَهُ السّلْسَلُ، وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ ذَاتِ السّلَاسِلِ؛ فَلَمّا كَانَ عَلَيْهِ خَافَ فَبَعَثَ إلى رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) يَسْتَمِدّهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ وفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا؛ فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتّى إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إنَّما جِئْتَ مَدَدًا لِي؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا، وَلَكِنّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيّنًا سَهْلًا، هَيّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا عَمْرُو، وَإِنّ رَسُولَ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) قَالَ لِي: لَا تَخْتَلِفَا، وَإِنّك إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُك، قَالَ فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، قَالَ فَدُونَك. فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ"(2).

ثم يضمّن ابن هشام خبراً عن وصية رافع بن أبي رافع وكيف كان حاله قبل الاسلام وما كان يفعله من الأمور وكيف أسلم وصار مع عمرو بن العاص في غزوة ذات السّلاسل كما جاء في النّص "وَصِيّةُ أَبِي بَكْرٍ رَافِعَ بْنَ أبي رَافِعٍ، قَالَ وَكَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ أنَّ رَافِعَ بْنَ أَبِي رَافِعٍ الطّائِيّ وَهُوَ رَافِعُ بْنُ عَمِيرَةَ كَانَ يُحَدّثُ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ نَفْسِهِ قَالَ كُنْت امْرَأً نَصْرَانِيّا، وَسُمّيت سَرْجِسَ فَكُنْت أَدَلّ النّاسِ وَأَهْدَاهُمْ بِهَذَا الرّمَلِ كُنْت أَدْفِنُ الْمَاءَ فِي بَيْضِ النّعَامِ بِنَوَاحِي الرّمْلِ فِي الْجَاهِلِيّةِ ثُمّ أُغِيرُ عَلَى إبِلِ النّاسِ فَإِذَا أَدْخَلْتهَا الرّمْلَ غَلَبْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَطْلُبُنِي فِيهِ حَتّى أَمُرّ بِذَلِكَ الْمَاءِ الذي خَبّأْت فِي بَيْضِ النّعَامِ فَأَسْتَخْرِجُهُ فَأَشْرَبُ مِنْهُ"(1).

ثم يضمّن خبر إسلام رافع وانضمامه إلى ذات السّلاسل كما جاء في قول رافع: "فَلَمّا أَسْلَمْت خَرَجْت فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ التي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلى ذَاتِ السّلَاسِلِ؛ قَالَ فَقُلْت: وَاللّهِ لَأَخْتَارَنّ لِنَفْسِي صَاحِبًا؛ قَالَ فَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ قَالَ فَكُنْت مَعَهُ فِي رَحْلِهِ قَالَ وَكَانَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ لَهُ فَدَكِيّةٌ فَكَانَ إذَا نَزَلْنَا بَسَطَهَا وَإِذَا رَكِبْنَا لَبِسَهَا، ثُمّ شَكّهَا عَلَيْهِ بِخِلَالِ لَهُ قَالَ وَذَلِكَ الذي لَهُ يَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ حِينَ ارْتَدّوا كُفّارًا: نَحْنُ نُبَايِعُ ذَا الْعَبَاءَةِ قَالَ فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ قَالَ قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّما صَحِبْتُك لِيَنْفَعَنِي الله بِك، فَانْصَحْنِي وَعَلّمْنِي، قَالَ لَوْ لَمْ تَسْالنّي ذَلِكَ لَفَعَلْت، قَالَ آمُرُك أَنْ تُوَحّدَ الله وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصّلَاةَ وَأَنْ تُؤْتِيَ الزّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجّ هَذَا الْبَيْتَ وَتَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَا تَتَأَمّرْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا"(2).

ثم يرجع ويستمر في السّرد "قَالَ قُلْت: يَا أَبَا بَكْرٍ أَمَا أَنَا وَاللّهِ فَإِنّي أَرْجُو أَنْ لَا أُشْرِكَ بِاللّهِ أَحَدًا أَبَدًا؛ وَأَمّا الصّلَاةُ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا إنْ شَاءَ الله وَأَمّا الزّكَاةُ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدّهَا إنْ شَاءَ الله وَأَمّا رَمَضَانُ فَلَنْ أَتْرُكَهُ أَبَدًا إنْ شَاءَ الله وَأَمّا الْحَجّ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحُجّ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى؛ وَأَمّا الْجَنَابَةُ فَسَأَغْتَسِلُ مِنْهَا إنْ شَاءَ الله وَأَمّا الْإِمَارَةُ فَإِنّي رَأَيْت النّاسَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَشْرُفُونَ عِنْدَ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَعِنْدَ النّاسِ إلّا بِهَا، فَلِمَ تَنْهَانِي عَنْهَا؟

قَالَ إنّك إنَّما اسْتَجْهَدْتَنِي لِأَجْهَدَ لَك، وَسَأُخْبِرُك عَنْ ذَلِكَ إنْ الله عَزّ وَجَلّ بَعَثَ مُحَمّدًا(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بِهَذَا الدّينِ فَجَاهَدَ عَلَيْهِ حَتّى دَخَلَ النّاسُ فِيهِ طَوْعًا وَكَرْهاً، فَلَمّا دَخَلُوا فِيهِ كَانُوا عُوَاذَ الله وَجِيرَانَهُ وَفِي ذِمّتِهِ فَإِيّاكَ لَا تُخْفِرْ الله فِي جِيرَانِهِ فَيُتْبِعَك الله خَفْرَتَهُ فَإِنّ أَحَدَكُمْ يُخْفَرُ فِي جَارِهِ فَيَظِلّ نَاتِئاً عَضَلَهُ غَضَباً لِجَارِهِ أَنْ أُصِيبَتْ لَهُ شَاةٌ أو بَعِيرٌ فَاللّهُ أَشَدّ غَضَبًا لِجَارِهِ. قَالَ فَفَارَقْته عَلَى ذَلِكَ"(3).

ثم يسرد خبراً وهو من التّتابع السّردي كما "قَالَ فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَأُمّرَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النّاسِ قَالَ قَدِمْت عَلَيْهِ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَمْ تَكُ نَهَيْتَنِي عَنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ بَلَى، وَأَنَا الْآنَ أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَقُلْت لَهُ فَمَا حَمْلُك عَلَى أَنْ تَلِيَ أَمْرَ النّاسِ ؟ قَالَ لَا أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدّا، خَشِيت عَلَى أُمّةِ مُحَمّدٍ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) الْفُرْقَةَ"(1).

بعد عرض هذه الأمثلة نجد أنَّ نسق التّضمين واضحا فيها كما بينا، إذ إنَّ ابن هشام يسرد حدثا ما وإذا به يضمّنه حدثاً آخراً ثم يعود ليتابع الخبر الأوّل.

وعلى هذه الشّاكلة جاءت كثيرٌ من أخبار السّيرة النّبوية منسوجة ضمن بناء متتابع ومتضمن للأحداث متسلسل الأجزاء(2).

 

3- النّسق الدّائري:

 ويراد به "أنّ الأحداث تبدأ من نقطة ما ثم تعود في النّهاية إلى نفس النّقطة التي بدأت منها"(3)، وهذا النّسق غالباً ما يأتي نسقاً ثانوياً إلى جانب أنساق أخرى كالتّتابع مثلا(4).

ومما لاحظته في أخبار السّيرة أنَّ ابن هشام يعمد إلى تسييج أحداثه وفق هذا البناء ذي الشّكل المروحي، ومن ذلك ما نقرأه في خبر الحمس إذ إنّه يبتدأ الخبر عن الحمس وينهيه عن الحمس أيضاً، وهذا هو نسق السّردي الدّائري كما جاء في النّص "الْحُمْسُ عِنْدَ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ- لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ- ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ وَقُطّانُ مَكّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظّمُوا شيئاً مِنْ الْحِلّ كَمَا تُعَظّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ وَقَالُوا قَدْ عَظّمُوا مِنْ الْحِلّ مِثْلَ مَا عَظّمُوا مِنْ الْحَرَمِ. فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرّونَ أَنّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلّا أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظّمُ غَيْرَهَا كَمَا نُعَظّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الذي لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ إيّاهُمْ يَحِلّ لَهُمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ"(1).

ويبقى ابن هشام في سرد خبر الحمس حتى أنْ ينهيه أيضاً في خبر حكم الحمس في الاسلام كما جاء "حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الطّوَافِ وَإِبْطَالُ عَادَاتِ الْحُمْسِ فِيهِ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتّى بَعَثَ الله تَعَالَى مُحَمّدًا(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجّهِ { ثُمّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله أنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ }( سورة البقرة: الآية: 199) يَعْنِي قُرَيْشًا. وَالنّاسُ الْعَرَبُ. فَرَفَعَهُمْ فِي سُنّةِ الْحَجّ إلى عَرَفَاتٍ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا. وَأَنْزَلَ الله عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حَرّمُوا عَلَى النّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُرَاةً وَحَرّمُوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلّ مِنْ الطّعَامِ { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِيَ للذّينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالصّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }( سورة الأعراف: الآية: 31- 32) فَوَضَعَ الله تَعَالَى أَمْرَ الْحُمْسِ وَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْهُ عَلَى النّاسِ بِالْإِسْلَامِ حَيْنَ بَعَثَ الله بِهِ رَسُولَهُ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَمّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَإِنّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتّى يَدْفَعُ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ الله لَهُ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا"(2).

ففي هذا الخبر نجد أنَّ الحدث يبدأ ويستمر وينتهي حول الحمس وهو بناء دائري النّسق استخدمه ابن هشام في عدة مواضع.

وهذا البناء الدّائري لا ينطوي فقط "على الإبتداء بحدث والإنتهاء به، بل يشتمل أيضاً على الإبتداء بلحظة نفسية معينة والإنتهاء بها"(3).

ولعل ذلك يتمثل فيما أورده ابن هشام في خبر تهيئة النّبي ص نفسيا عن طريق الحلم الصّادق وتسليم الحجارة والشّجر عليه ومن ثم رؤية جبرائيل ع كما جاء "أَوّلُ مَا بُدِئَ بِهِ الرّسُولُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) الرّؤْيَا الصّادِقَةُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنّهَا حَدّثَتْهُ أنَّ أوّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مِنْ النّبُوّةِ حِين أَرَادَ الله كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ الرّؤْيَا الصّادِقَةُ لَا يَرَى رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) رُؤْيَا فِي نُوُمِهِ إلّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصّبْحِ قَالتّ وَحَبّبَ الله تَعَالَى إلَيْهِ الْخَلْوَةَ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ"(1).

تَسْلِيمُ الْحِجَارَةِ وَالشّجَرِ عَلَيْهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثّقَفِيّ، وَكَانَ وَاعِيَةً عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أنَّ رَسُولَ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) حِينَ أَرَادَهُ الله بِكَرَامَتِهِ وَابْتَدَأَهُ بِالنّبُوّةِ كَانَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتّى تَحَسّرَ عَنْهُ الْبُيُوتُ وَيُفْضِي إلى شِعَابِ مَكّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرّ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إلّا قَالَ السّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) حَوْلَهُ فَمَكَثَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا شَاءَ الله أَنْ يَمْكُثَ ثُمّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ الله وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ"(2).

نجد ابن هشام قد بدأ هذا النّسق بلحظة نفسية وهي تهيئة النّبي محمد ص للمبعث وينتهي الحدث في نفس المعنى وهو ابتداء نزول الوّحي عليه والاطمئنان عندما رأى جبريل ع ومن ثم بدأ المبعث كما جاء في النّص "ابْتِدَاءُ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السّلَامُ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ. قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ الزّبَيْرِ وَهُوَ يَقُولُ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ اللّيْثَيّ حَدّثْنَا يَا عُبَيْدُ، كَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مِنْ النّبُوّةِ حِين جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ ؟ قَالَ فَقَالَ عُبَيْدٌ- وَأَنَا حَاضِرٌ يُحَدّثُ عَبْدَ الله بْنَ الزّبَيْرِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ النّاسِ- : كَانَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) يُجَاوِرُ فِي حِرَاءٍ مِنْ كُلّ سَنَةٍ شَهْرًا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا تَحَنّثَ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ. وَالتّحَنّثُ التّبَرّزُ"(3).

ومن البناء الدّائري أيضاً ما جاء في خبر إسلام سلمان وكذلك في ذكر أنَّ علياً أوّل من أسلم من الذّكور، كذلك في اسلام أبي بكر وكذلك في خبر الإسراء والمعراج وعلى هذا الشّكل من البناء الدّائري وجدنا كثيراً من الأمثلة التي وردت في سيرة ابن هشام(1).

 

أنماط التّواتر السّردي في السّيرة

حين يقوم السّارد برواية أحداثه فإنّه لا يعرضها وفق اسلوب واحد بل ينوّع في ذلك وفق أربعة أنماط أشار إليها جينيت Genets(2)، وهذه الأنماط تنضوي تحت ما يسمى بمستوى التّواتر النّاتج عن الاختلاف وعدم التّطابق بين زمنَي القصة والسّرد، وهذا المستوى يشكل الثّالثّ بعد مستويي التّرتيب والمدة.

ويُعَرّف التّواتر على أنّه "جموع علاقات التّكرار بين النّص والحكاية"(3)، ويعد عنصراً قائماً على الرّبط بين ما يخص مقولة الزّمان والاسلوب(4).

أنماط التّواتر:

الأوّل: السّرد المفرد: وفيه يقوم الرّاوي بسرد ما وقع مرة واحدة لمرة واحدة ويطلق على هذا اللّون من الحكايات اسم(الحكاية التّفردية)(5)، ومن أمثلة ذلك ما نلحظه فيما ذكره ابن هشام حول الملكين الذّين شقا بطن النّبي ص كما جاء في النّص "حَدِيثُ الْمَلَكَيْنِ اللذّيْنِ شَقّا بَطْنَهُ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالتّ حليمة فَرَجَعْنَا بِهِ فَوَاللّهِ إنّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا بِهِ بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدّ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقّا بَطْنَهُ فَهُمَا يَسُوطَانِهِ. قَالتّ فَخَرَجْت أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعَا وَجْهُهُ. قَالتّ فَالتّزَمْته وَالتّزَمَهُ أَبُوهُ فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك يَا بُنَيّ قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي وَشَقّا بَطْنِي، فَالتّمِسَا فِيهِ شيئاً لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالتّ فَرَجَعْنَا بِهِ إلى خِبَائِنَا"(1). فهذا الخبر لم يذكرْ إلا مرة واحدة في السّيرة بأجمعها.

وكذلك من السّرد المفرد ما نقرأه في خبر غزوة بني سليم بالكدر كما جاء في النّص "غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْم ٍ بِالْكَدَرِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) لَمْ يَقُمْ بِهَا إلّا سَبْعَ لَيَالٍ حَتّى غَزَا بِنَفْسِهِ يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيّ أو ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقَعَدَةِ وَأَفْدَى فِي إقَامَتِهِ تِلْكَ جُلّ الْأُسَارَى مِنْ قُرَيْشٍ"(2).

ونجد السّرد المفرد في خبر حدث آخر من أحداث السّيرة كما جاء في حدث ما أمر به النّبي 5 في البيت من صور بعد فتح مكة كما جاء في النّص "أَمْرُ الرّسُولِ بِطَمْسِ مَا بِالْبَيْتِ مِنْ صُوَرٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أنَّ رَسُولَ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَرَأَى فِيهِ صُوَرَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ فَرَأَى إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ مُصَوّرًا فِي يَدِهِ الْأَزْلَامُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا، فَقَالَ قَاتَلَهُمْ الله جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ مَا شَأْنُ إبْرَاهِيمَ وَالْأَزْلَامِ { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }( سورة آل عمران: الآية: 67) ثُمّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصّوَرِ كُلّهَا فَطُمِسَتْ"(3).

وهذا الحدث لم يذكرْ في السّيرةِ إلا مرة واحدة.

ويشكل هذا النّمط من التّواتر أكثر الأنماط شيوعاً، وأبرزها تجسداً في فن القص، وهذا ما لاحظناه بارزاً في أحداث السّيرة النّبوية إذ جاء اكثرها على وفق هذا الشّكل التّفردي(4).

 

 الثّاني: أنْ يروي السّارد أكثر من مرة ما يحدث أكثر من مرة: وهذا النّمط يبقى في نظر جينيت نمطاً تفردياً كسابقهِ، ذلك بأنَّ تكرارات الحكاية فيه لا تتعدى أنْ تتوافق مع تكرارات القصة(1)، وهذا النّمط لا يعدو إلا أنْ يكون سرداً مفرداً(2).

ولم نجد إلا خبراً فريداً هو ما ذكره ابن هشام حول خبر ابراهيم ابن النّبي 5 من مارية القبيطة كما جاء في النّص "وَأُمّ إبْرَاهِيمَ مَارِيَةُ سُرّيّةُ النّبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ التي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنٍ مِنْ كُورَةِ أنْصِنا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله بْنِ شِهَابِ الزّهْرِيّ أنَّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الله بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيّ ثُمّ السّلَمِيّ حَدّثَهُ أنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَالَ إذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنّ لَهُمْ ذِمّةً وَرَحِمًا فَقُلْت لِمُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ: مَا الرّحِمُ التي ذَكَرَ رَسُولُ الله (صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ) لَهُمْ ؟ فَقَالَ كَانَتْ هَاجَرُ أُمّ إسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ"(3).

ثم عاد وكرر الخبر نفسه في قول "أُمّ إبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمّا إبْرَاهِيمُ فَأُمّهُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيّةُ. حَدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ أُمّ إبْرَاهِيمَ مَارِيَةُ سُرّيّةُ النّبِيّ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) التي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنَ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا"(4).

 الثّالث: السّرد المكرّر: وفيه يقوم السّارد برواية ما وقع مرة واحدة أكثر من مرة ويسمى أيضاً بالحكاية التّكرارية(5)، ومن ذلك ما ورد في تكرار خبر مبعث النّبي 5 إذ ذكر في السّيرة كثيراً كما جاء في النّص "مَبْعَثُ النّبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ تَسْلِيمًا، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا بَلَغَ مُحَمّدٌ رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ الله تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَكَافّةً للنّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلّ نَبِيّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتّصْدِيقِ لَهُ وَالنّصْر لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدّوا ذَلِكَ إلى كُلّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدّقَهُمْ فَأَدّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقّ فِيهِ. يَقُولُ الله تَعَالَى لِمُحَمّدٍ صَلّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلّمَ {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي }( سورة آل عمران: الآية 81) أي ثِقَلَ مَا حَمّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي { قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ }( سورة آل عمران: الآية 81) فَأَخَذَ الله مِيثَاقَ النّبِيّينَ جَمِيعًا بِالتّصْدِيقِ لَهُ وَالنّصْرِ لَهُ مِمّنْ خَالَفَهُ وَأَدّوْا ذَلِكَ إلى مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ"(1).

وحول هذا الخبر والحدث ألا وهو المبعث النّبوي الشّريف نجد أنَّهُ تَرَدَدَ كثيراً في نصوص السّيرة إذ إنَّ ابن هشام يسرد هذا الحدث مكرراً على لسان الكهان واليهود وكيف أنهم أنذروا بمبعث النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ)  كما جاء في النّص "حَدِيثُ كَاهِنِ جَنْبٍ عَنْ رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَلِيّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيّ أنَّ جَنْبًا: بَطْنًا مِنْ الْيَمَنِ، كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَلَمّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالتّ لَهُ جَنْبٌ اُنْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتْ الشّمْسُ فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمّ قَالَ أَيّهَا النّاسُ أنَّ الله أَكْرَمَ مُحَمّدًا وَاصْطَفَاهُ وَطَهّرَ قَلْبَهُ وَحَشَاهُ وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيّهَا النّاسُ قَلِيلٌ ثُمّ أَسْنَدَ فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ"(2).

وكذلك يذكر ابن هشام الخبر عينه في خبر إنذار اليهود برسول الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) كما جاء في النّص "إنْذَارُ الْيَهُودِ بِهِ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) وَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: أنَّ مِمّا دَعَانَا إلى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ الله تَعَالَى وَهَدَاهُ لَنَا، لَمَا كُنّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ وَكُنّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: إنّهُ قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ فَكُنّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمّا بَعَثَ الله رَسُولَهُ(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إلى الله تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعّدُونَنَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ فَآمَنّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ { وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذّينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ}(سورة البقرة: الآية: 89) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسْتَفْتِحُونَ يَسْتَنْصِرُونَ وَيَسْتَفْتِحُونَ أيضاً: يَتَحَاكَمُونَ وَفِي كِتَابِ الله تَعَالَى: {رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ }(سورة البقرة: الآية: 89. )"(1).

نجد في هذه الأمثلة الثّلاث أنَّ ابن هشام يرّكز ويكرّر خبر مبعث النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) فمرة يذكره على لسان ابن إسحاق وأخرى على لسان رجل من جنب، ومرة أخرى على لسان اليهود وقد ذكره كثيراً في السّيرة إلا أننا اخترنا هذه الأمثلة أنموذجا على سبيل التّمثيل لا الحصر.

ويسوق ابن هشام سرداً مكرراً آخر في خبر الهجرة الأوّلى إلى أرض الحبشة كما جاء في النّص "إشَارَةُ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا رَأَى رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنْ الله وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ الله لَكُمْ فَرَجًا فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) إلى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَاراً إلى الله بِدِينِهِمْ فَكَانَتْ أوّل هِجْرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ"(2). وعلى هذا النّسق يبقى ابن هشام يكرر حدث الهجرة في أماكن كثيرة، وهناك الكثير من هذا النّسق المكرّر نجده في سيرة ابن هشام(3).

ويتميز نظام التّكرار بإعادة رواية المتن، ممّا يؤدي بدوره إلى ضمور حركة الزّمن، إذ تعاد الخلفية الزّمانية والمكانية نفسها للأحداث، فتتكرر جميع الوقائع ومكونات المتن سوى رؤية السّارد التي تختلف في كلّ مرة(4).

ولعلنا نلحظ في هذا التّكرار مزية تتردد في نصوص سردنا القديم حيث يكرر الرّاوي سرد الخبر أو الواقعة أكثر من مرة، ولاسيّما إنْ كانت المُدَوَّنَة التي تضم هذه الأخبار والوقائع واسعة من جهة، وكون الخبر الذي أورده الرّاوي يتناول أكثر من شخصية، من جهة أخرى، فيعمد الرّاوي إلى تكرار رواية الخبر مع اختلاف قد يكون يسيراً أو كبيراً- في كل مرة يتعرض فيها بسرد الأحداث.

الرّابع: السّرد الاختزالي: وفيه يقص السّارد مرة واحدة ما وقع لأكثر من مرة(1)، ويسمى هذا اللّون من رواية الأحداث بالسّرد الاختزالي ذلك أنها "يختزل عدد مرات الحدوث بإيرادها مرة واحدة"(2).

ومن نماذج ذلك خبراً واحداً في السّيرة وهو ما ساقه ابن هشام في ذكره خبر الغزوات واختزاله لها كما جاء في النّص "بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الله الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ وَكَانَ جَمِيعُ مَا غَزَا رَسُولُ الله(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) بِنَفْسِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً. مِنْهَا غَزْوَةُ وَدّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، ثُمّ غَزْوَةُ بُوَاط، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمّ غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ، مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى، يَطْلُبُ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى، التي قَتَلَ الله فِيهَا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتّى بَلَغَ الْكُدْرَ، ثُمّ غَزْوَةُ السّوِيقِ، يَطْلُبُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ثُمّ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمِر َ، ثُمّ غَزْوَةُ بَحْرَانَ مَعْدِنٌ بِالْحِجَازِ ثُمّ غَزْوَةُ أُحُدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ، ثُمّ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ، ثُمّ غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، ثُمّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ، مِنْ هُذَيْلٍ، ثُمّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، ثُمّ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، فَصَدّهُ الْمُشْرِكُونَ ثُمّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمّ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ ثُمّ غَزْوَةُ الْفَتْحِ، ثُمّ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ، ثُمّ غَزْوَةُ الطّائِفِ، ثُمّ غَزْوَةُ تَبُوكَ. قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ وَالْمُصْطَلِقِ وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ، وَالطّائِفِ"(3).

نجد أنَّ ابن هشام قد اختزل غزوات النّبي(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) كلها في سرده هذا.

بهذا العرض السريع مكون قد بينا كيفية بناء الحدث الرّوائي في نظرية السّرد وكيفية استخراج هذا البناء من النّصوص السّردية كما فعلنا مع سيرة النّبي الأكرم(صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ) سيرة ابن هشام أُنموذجا.

 

 

نتائج البحث:

سعت هذه الدّراسة لدراسة كتاب السّيرة النّبوية لابن هشام(ت218هـ) ورصد أبرز ملامح الحدث السّردي الرّوائي في طياته، وقد تمخضت عن جملة من النّتائج التي حاولنا إجمالها في الآتي:

شيوع الحوار الخارجي في أخبار ابن هشام وتأسيس معظمها على وفق البنية الحوارية، وكأن ابن هشام يدرك تماماً أنَّ كتاباً بهذه السّعة سيكون مدعاة لملل القارئ مما دفعه إلى توظيف هذه التّقنية دفعاً للتّقريرية والأسلوب المباشر الرّتيب.

 وممّا لاحظته أيضاً تعدد السّاردين في كتاب السّيرة النّبوية بين سارد قريب من المحكي وقد تمثل في مجموعة الرّواة الذي ينقل عنهم ابن هشام، وبين سارد متأخر الرّتبة بعيداً عن المحكي، وقد تمثل في ابن هشام نفسه الذي أخذ عن أولئك الرّواة أخباره، والى جانب تعدد السّاردين كان هناك أيضاً تعدد للمروي لهم الذّين توزعوا بين مروي له عام وهم يسردون سيرة النّبي 5 والأحداث التي مر بها منذ ولادته إلى وفاته.

 وقد جاءت أخبار السّيرة النّبوية وفق مستويي السّرد: الموضوعي والذّاتي، وكان نصيب الموضوعي منهما يفوق الذّاتي، إذ وردت كثير من الأخبار على لسان راوٍ عليم بما يقدم من أحداث وشخصيات، إلا أنَّ ذلك لم يمنع من ورود السّرد الذّاتي ليتنحى الرّاوي في هذا الخبر أو ذاك فاسحاً المجال أمام إحدى الشّخصيات لتتولى بنفسها مهمة سرد الأحداث.

 ومثّل ابن هشام باعتباره مؤلف الكتاب متلقياً، قبل أنْ يكون راوياً، من خلال تلقيه أخبار السّيرة ونقلها عن غيره من رواة معاصرين أو نسخها من كتب أخرى سبقته ليعمد ببراعة أدبية إلى صياغتها صياغة جيدة تحمل لمساته الخاصة.

 وقد اعتمد ابن هشام في سرد أخباره على النّظام الإسنادي متبعاً في ذلك أُسلوبي السّند العادي والسّند الممزوج، إذ لا يخلو خبرٌـ إلا النّادر منهاـ من دون سلسلة سند تسبقه، سعياً لإضفاء المصداقية على أخباره وعدم التّشكيك في تلفيقها أو زيفها.

وعلى مستوى بناء الأحداث فإنّ أغلبها جاء وفق بناء متتابع ذي نسق متسلسل الوقوع، يليه بناء آخر تضميني عمد فيه الرّاوي إلى تضمين أخباره حكاية أخرى أو أكثر كانت تشترك مع الحكاية الأولى في ذات المضمون أو تفترق عنها، والى جانب تلكما البنائين كان هناك بناء آخر صيغت على وفقه بعض أخبار السّيرة النّبوية وهو البناء الدّائري إذ تبدأ الأحداث بنقطة ما ثم تعود لتنتهي حيث ما ابتدأت، وهذا البناء ورد قليلاً قياساً بالبنائَين الأولين.

 وكان مما برز جلياً شيوع السّرد المفرد في أخبار السّيرة النّبوية، فغالباً ما كان ابن هشام يروي مرة واحدة، يليه السّرد الاختزالي الذي يعمد فيه الرّاوي إلى اختزال روايته للأحداث ليقوم مرة واحدة برواية ما وقع أكثر من مرة، ويتبع ذلك السّرد المكرّر، إذ لاحظتُ أنَّ ابن هشام كان يكرر رواية هذا الخبر أو ذاك، ليسرد لنا أكثر من مرة ما وقع لمرة واحدة؛ ولاسيّما إذا كان الخبر المروي يخص بالذّكر أكثر من شخصية وردت في السّيرة، فيكون التّكرار أُسلوب ابن هشام وهو يكرر ذلك الخبر الواحد- مع اختلاف بسيط في الصّياغة اللّفظية- مع ترجمته لكل شخصية من هؤلاء.

 وقد إنمازت المادة السّردية التي عرضها ابن هشام وصاغها في شكل أخبار، بجملة من الخصائص حاولنا إجمالها في خصائص هي اعتماد ابن هشام على السّرد الطّلبي أولاً والنّظام الإسنادي ثانياً، إلى جانب الاشتغال على آلية التّضمين الحكائي ثالثاً وحضور النّزعة الغرائبية في الأخبار فضلاً عن الاشتغال على آلية المفارقة وأخيراً تنوع المادة السّردية بين القرآن الكريم والحديث الشّريف، والشّعر، وتفسير بعض الكلمات.

وعلى مستوى السّرد فكانت النّتائج التي استخلصها البحث كما يأتي:

1- إنَّ حداثة بعض الأجناس السّردية وخصوصا الرّواية التي ما انفك بعض كتابها يحاكي المنتج الغربي ويقتفي أثر أساليبها الجديدة وتياراتها ومذاهب كتابها الغربيين هو ما حدا بالنّقاد إلى الاقتراض الاصطلاحي في ميدان نقد هذه الأجناس لإثبات مدى فاعليتها وصلاحها.

2- إنَّ بكارة مصطلحات نظريات السّرد الغربية ودخولها السّريع في ميدان النّقد الأدبي العربي سواء كانت على صعيد النّظرية أم التّطبيق؟ هو ما أغرى بعض النّقاد العرب إلى احتذائها وعدم تصور نموذج عربي نابع من ثقافتهم وبيئتهم.

 

 

 

المصادر والمراجع:

- القرآن الكريم.

- أبنية المتون في الرّواية العربية: د. عبد الله ابراهيم، مجلة الحياة التّونسية، تونس، عدد 62، 1991م.

- الأدب وفنونه: عزّ الدّين اسماعيل، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976م.

- الأساليب الشّعرية: ابراهيم العريض، دار مجلة الاديب، بيروت، لبنان، 1950م.

- بناء الحدث في شعر نازك الملائكة، مقاربة نصية: نجوى محمد جمعة، مجلة آداب البصرة، العدد 44، 2007م.

- بناء الرّواية العربية في الكويت: مهدي جبر صبر، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة البصرة، 1989م.

- البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: د. شجاع مسلم العاني، الجزء الأوّل: دار الشّؤون الثّقافية العامة بغداد، ط1، 1994م. الجزء الثّاني "الوصف وبناء المكان ": دار الشّؤون الثّقافية العامة، ط1، 2000م، الجزء الثّالث: مطبوع على الآلة الكاتبة، كلية الآداب جامعة بغداد، 1988م.

- بنية الرّواية والفيلم: عبد الله ابراهيم، آفاق عربية، بغداد، ع(4)، 1993م.

- بنية السّرد التّراثي "قصة بياض ورياض "لمؤلف مجهول أنموذجا: محمد الشّوابكة وفائز العتبي، مجلة أبحاث اليرموك، جامعة اليرموك، العدد2، 1998م.

- البنية السّردية في شعر نزار قباني: رسالة ماجستير انتصار جويد عيدان، كلية التّربية للبنات، جامعة بغداد، 2002م.

- البنية القصصية في رسالة الغفران: حسين الواد، الدّار العربية للكتاب، تونس، ط3، 1988م.

- البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي حديث عيسى بن هشام للمويلحي: محمد رشيد ثابت، الدّار العربية للكتاب، تونس، ط2، 1982م.

- بنية النّص السّردي: حميد لحمداني، المركز الثّقافي العربي، بيروت، ط2، 1993م.

- تحليل الخطاب الرّوائي: سعيد يقطين، المركز الثّقافي العربي، بيروت، ط1، 1989م.

- تقنيات السّرد الرّوائي في ضوء المنهج البنيوي: يمنى العيد، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1990م.

- الحبكة: اليزابث ديل، ترجمةجمة الدّكتور عبدالواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النّقدي دار الرّشيد للنّشر، 1981م.

- خطاب الحكاية (بحث في المنهج): جيرار جينيت، ترجمة: محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر حلي، الهيئة العامة للمطابع الأميرية، مصر، ط2، 1997م.

- الرّواية الفرنسية الجديدة: نهاد التّكرلي، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، الموسوعة الصّغيرة، عدد 166 و167، 1985م.

- الزّمان في الرّواية العربية: مها القصراوي، دار الفارس، الأردن، ط1، 2004م.

- السّرد الرّوائي والسّرد العلمي وضرورات المعالجة العلمية: فراس عبد الجليل، الموقف الثّقافي، بغداد عدد32، س2001م.

- السّردية في النّقد الرّوائي العراقي من 1985 م 1996 م: احمد رشيد الدّرة، رسالة ماجستير، كلية التّربية للبنات جامعة بغداد، 1997م.

- السّيرة النّبوية: ابن هشام(ت218هـ): تحقيق: مصطفى السّقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1997م.

- الصّوت المنفرد "مقالات في القصة القصيرة": فرانك اوكونور، ترجمة: محمود الرّبيعي، المركز القومي للتّرجمة، 2009م.

- عالم الرّواية: رولان بورونوف و ريال أونيليه، ترجمة: نهاد التّكرلي، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، ط1، 1991م.

- الفضاء الرّوائي عند جبرا ابراهيم جبرا: د. إبراهيم جنداري، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، ط1، 2001م.

- فن الشّعر: أرسطو طاليس، تحقيق: عبد الرّحمن بدوي، دار الثّقافة، بيروت، لبنان، ط2، 1973م.

- فن كتابة الاقصوصة، مجموعة مقالات حول القصة: توماس ي. بيرنز، ترجمة: كاظم سعد الدّين، الموسوعة الصّغيرة، وزارة الثّقافة والفنون، العراق، 1978م.

- قصص الحيوان جنساً أدبياً "دراسة اجناسية سردية سيميائية في الأدب المقارن ": خالدّ سهر السّاعدي، اطروحة دكتوراه، كلية الآداب الجامعة المستنصرية، 2000م.

- قضايا الرّواية الحديثة: جان ريكاردو، ترجمة: صباح الجهيم، منشورات وزارة الثّقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط1، 1977م.

- المتخيل السّردي: عبد الله إبراهيم، المركز الثّقافي العربي، بيروت، ط1، 1990م.

- مدخل إلى نظرية القصة: جميل شاكر وسمير المرزوقي، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، د. ط، 1986م.

- مسألية القصة من خلال بعض النّظريات الحديثة: الرّشيد الغزي، الحياة الثّقافية، تونس، الجزء الاول، ع (1)، س 2، 1976. الجزء الثّاني، ع (1)، س 3، 1977م.

- مفهوم التّاريخ: د. عبد الله العروي، المركز الثّقافي العربي، 2005م.

- مهدي جبر دراسة في فنّه القصصي: رسالة ماجستير للباحث مشتاق سالم عبد الرّزاق، جامعة البصرة، كلية الاداب، 2004م.

- النص البنية السياق، الطاهر رونيه، اللغة والأدب، معهد اللغة العربية، جامعة الجزائر، ع (8) ملتقى علم النص 1996.

- نظرية الأدب: رينيه ويليك، ترجمة: محيي الدّين صبحي، المؤسسة العربية للدّراسات والنّشر، بيروت، ط2، 1981م.

- نظرية المنهج الشّكلي "نصوص الشّكلانيين الرّوس ": جمعها، تودروف، ترجمة: ابراهيم الخطيب، مطبعة مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت لبنان، ط1، 1982.

- النّقد البنيوي والنّص الرّوائي: محمد سويرتي، أفريقيا الشّرق، المغرب، ط1، 1991م.

 

 

 

 


(1) مفهوم التّاريخ: د. عبد الله العروي، المركز الثّقافي العربي، 2005:  75.

(2) ينظر: بنية النّص السّردي: 73.

(3) عالم الرّواية: رولان بورونوف و ريال أونيليه، ترجمة: نهاد التّكرلي، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، ط1، 1991: 144.

(4) ألف ليلة وليلة(دراسة سيميائية تفكيكية في حكاية حمال بغداد): 19.

(1) ينظر: نظرية الشّكلانيون الرّوس:  186.

(2) الأدب وفنونه: عزّ الدّين اسماعيل، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976: 159.

(3) ينظر: الحبكة: اليزابث ديل، ترجمةجمة الدّكتور عبدالواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النّقدي دار الرّشيد للنّشر، 1981: 12.

(4) الأساليب الشّعرية: ابراهيم العريض، دار مجلة الاديب، بيروت، لبنان، 1950: 139.

(5) الأدب وفنونه، عز الدّين إسماعيل: 159.

(6) ينظر: فن الشّعر: أرسطو طاليس، تح: عبد الرّحمن بدوي، دار الثّقافة، بيروت، لبنان، ط2، 1973: 24.

(1) ينظر: الصّوت المنفرد "مقالات في القصة القصيرة": فرانك اوكونور، ترجمة: محمود الرّبيعي، المركز القومي للتّرجمة، 2009: 20.

(2) الصّوت المنفرد: 14.

(3) فن كتابة الاقصوصة: ميكانيك الاقصوصة: 12.

(4) الصّوت المنفرد : 14.

(1) ينظر: مسألية القصة من خلال بعض النّظريات الحديثة: 2 /99؛ تحليل الخطاب الرّوائي: 256؛ البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1/ 13؛ النص " البنية ، السياق " ، الطاهر رواينه ، اللغة  والادب ، معهد اللغة العربية  ، جامعة الجزائر ، ع ( 8 ) ، ملتقى علم النص،1996: 65؛ السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 109- 111.

(2) ينظر: النّقد البنيوي والنّص الرّوائي: 2/ 21- 22.

(3) ينظر: السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 109- 111، وأبنية المتون في الرّواية العربية، عبد اللّه إبراهيم: ع62، 1991: 24؛ بنية السّرد التّراثي: "قصة بياض ورياض "لمؤلف مجهول أنموذجا، محمد الشّوابكة وفائز العتبي: 100؛ بنية الرّواية والفيلم: عبد الله ابراهيم، آفاق عربية، بغداد، ع(4)، 1993: 117؛ السّرد الرّوائي والسّرد العلمي وضرورات المعالجة العلمية، فراس عبد الجليل، الموقف الثّقافي، بغداد: ع32، س2001: 5- 9.

(4) ينظر: البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي حديث عيسى بن هشام للمويلحي: محمد رشيد ثابت، الدّار العربية للكتاب، تونس، ط2، 1982: 38؛ النّص البنية والسّياق: 65.

(5) ينظر: البنية القصصية في رسالة الغفران: 89. ومسألية القصة من خلال بعض النّظريات الحديثة: 2 /99 وتحليل الخطاب الرّوائي: 256، والبناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1 / 15- 17 ينظر: الرّواية الفرنسية الجديدة: نهاد التّكرلي، دار الشّؤون الثّقافية العامة، بغداد، الموسوعة الصّغيرة، ع 166 و167، 1985م.: 2 / 39 ؛ النّص: البنية والسّياق: 66؛ قصص الحيوان جنسا أدبيا: 292.

(1) ينظر: مسألية القصة من خلال بعض النّظريات الحديثة: 2/ 99؛ تحليل الخطاب الرّوائي: 257؛ الرّواية الفرنسية الجديدة: 2: 24- 26؛ السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 109 و114- 117؛ قصص الحيوان جنسا أدبيا: 292؛ النّص: البنية والسّياق: 66.

(2) البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1/ 11- 12.

(3) ينظر: البنية القصصية في حديث عيسى بن هشام: 53 ؛ البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1/ 15- 16؛ السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 109و 114- 116؛ قصص الحيوان جنسا أدبيا: 445.

(4) المصدر نفسه: 20- 21.

(1) ينظر: بناء الرّواية العربية في الكويت: مهدي جبر صبر، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة البصرة، 1989: 97.

(2) ينظر: البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1/ 16؛ قضايا الرّواية الحديثة، جان ريكاردو: 261- 290.

(3) ينظر: البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1/ 21؛ السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 114.

(4) ينظر: البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 1 / 16؛ قضايا الرّواية الحديثة: 261- 290.

(5) ينظر: المصدر نفسه.

(6) ينظر: البناء الفني في الرّواية العربية في العراق، 1/ 18.

(7) المصدر نفسه: 1/18.

(1) ينظر: نظرية الأدب: 289.

(2) ينظر: السّردية في النّقد الرّوائي العراقي: 118.

(1) مهدي جبر دراسة في فنّه القصصي: رسالة ماجستير للباحث مشتاق سالم عبد الرّزاق، جامعة البصرة، كلية الاداب، 2004: 44.

(2) ينظر: بناء الحدث في شعر نازك الملائكة، مقاربة نصية: نجوى محمد جمعة، مجلة آداب البصرة، العدد 44، 2007: 94.

(3) الفضاء الرّوائي عند جبرا ابراهيم جبرا: 73.

(4) ينظر: البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 8.

(5) الزّمن في الرّواية العربية: 65.

(1) ينظر: المتخيل السّردي: 108.

(2) السّيرة النبوية: 1/ 196.

(3) السّيرة النّبوية: 1/ 196.

(4) المصدر نفسه: 1/ 197.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 199.

(2) المصدر نفسه: 1/ 200.

(3) المصدر نفسه: 1/ 200- 201.

* اسْتَجْفَر الصّبيُّ إِذا قوي على الأَكل.

* وردت في النّص كهذا ونرجح أنّها وباء.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 201.

(2) السّيرة النّبوية: 1/ 201- 202.

* الظّئْرُ: العاطفةُ على غير ولدها المرْضِعةُ له من النّاس.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 202.

(2) السّيرة النّبوية: 1/ 202- 203.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 204- 205.

(2) المصدر نفسه: 1/ 205- 206.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 216.

(2) المصدر نفسه: 1/ 216- 217.

(3) المصدر نفسه: 1/ 224.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 224- 225.

(2) المصدر نفسه: 1/ 225- 226.

(3) المصدر نفسه: 1/ 227.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 227.

(2) المصدر نفسه: 1/ 227- 228.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 229- 230.

(2) المصدر نفسه: 1/ 230.

(3) المصدر نفسه: 1/ 231.

(4) السّيرة النّبوية: 1/ 232.

(1) المصدر نفسه: 1/ 232- 233.

(2) السّيرة النّبوية: 1/ 233.

(3) المصدر نفسه: 1/ 233- 234.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 235.

(2) المصدر نفسه: 1/ 235- 236.

(3) المصدر نفسه: 2/ 9 و 20.

(4) ينظر: البنية القصصية في رسالة الغفران: 29.

(1) ينظر على سبيل المثال: السّيرة النّبوية ، ج1: ص195، ج1: ص235، ج2: ص9، ج2: 44، ج2: ص93، ج4: 197.

(2) البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 11.

(3) ينظر: نظرية الأدب: 289.

(4) بنية النّص السّردي: 49.

(4) ينظر: المتخيل السّردي: 58.

(1) ينظر: السّيرة النّبوية: 2/ 242- 248.

(2) المصدر نفسه: 4/280.

(1) السّيرة النّبوية: 4/ 280.

(2) المصدر نفسه: 4/ 281.

(3) السّيرة النّبوية: 4/ 281.

(1) المصدر نفسه: 4/ 281.

(2) ينظر على سبيل المثال: المصدر نفسه : ج4: ص262، ج2: ص218، ج2: ص245، ج4: ص280، ج1: ص221.

(3) البناء الفني في الرّواية العربية في العراق: 44.

(4) ينظر الفضاء الرّوائي عند جبرا ابراهيم جبرا: 80.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 235- 241.

(2) السّيرة النّبوية: 1/ 240.

(3) البنية السّردية في شعر نزار قباني: رسالة ماجستير انتصار جويد عيدان، كلية التّربية للبنات، جامعة بغداد، 2002: 59.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 270.

(2) المصدر نفسه: 1/  271.

(3) السّيرة النّبوية: ج1: ص 271- 272.

(1) ينظر: على سبيل المثال، المصدر نفسه: ج1، ص235- 240، ج1، ص251- 258، ج1، ص282- 284، ج1، ص286- 287، ج1، ص328- 330، ج2، ص22- 24، ج2، ص35- 39، ج2، ص121- 123، ج3، ص57- 65، ج4، ص17- 20.

(2) ينظر: خطاب الحكاية: 130.

(3) مدخل إلى نظرية القصة تحليلاً وتطبيقاً: 82.

(4) ينظر: تقنيات السّرد الرّوائي في ضوء المنهج البنيوي: 87.

(5) ينظر: خطاب الحكاية: 130.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 201.

(2) السّيرة النّبوية: 3/ 49.

(3) المصدر نفسه: 4/ 61.

(4) ينظر على سبيل المثال، السّيرة النّبوية: ج1: ص201، ج1: ص280، ج3: ص 48، ج3: ص52، ج3: ص360، ج4: ص45، ج4: ص61، ج4: ص77، ج4: ص183، ج4: 255، ج4: ص319.

(1) ينظر: خطاب الحكاية: 130.

(2) ينظر على سبيل المثال، السّيرة النّبوية: 3/ 52، 3/ 360، 4/ 45، 1/ 201، 3/  48، 1/ 280.

(3) السّيرة النّبوية: 1/ 38.

(4) السّيرة النّبوية: 1/ 227.

(5) ينظر: خطاب الحكاية: 131.

(1) السّيرة النّبوية: 1/ 270.

(2) المصدر نفسه: 1/ 246.

(1) السّيرة النّبوية: 1: 248.

(2) السّيرة النّبوية: 2/ 358.

(3) ينظر على سبيل المثال: السّيرة النّبوية: 1/ 270و 246و 217و 241و 248، 1/ 38، 2/ 358و 361و 364و 368و 374، 1/289و 292و 295و 298، 3/ 238و 247و 257.

(4) ينظر: المتخيل السّردي: 112.

(1) ينظر: خطاب الحكاية: 132.

(2) قصص الحيوان جنساً أدبياً: 422.

(3) السّيرة النّبوية: 4/ 265.

محرك البحث

آخر تحديث

الاحصائيات

مواضيع من موقعنا

اعلان
22/11/201710 مشاهدة
جميع الحقوق محفوظة لدى جامعة الامام جعفر الصادق (ع) © 2016
3:45