اهم المواضيع

فلسطين في الرواية العربية ( رؤية عامة)

عنوان البحث

 

 

فلسطين في الرواية العربية

( رؤية عامة)

 

الدكتورة رضاب حافظ حميد كايد

اللقب العلمي : مدرس

وزارة التربية – التعليم المهني الثاني – الرصافة الثانية – اعدادية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فلسطين في الرواية العربية (( رؤية عامة ))

 

        اذا اتفقنا أنّ ( الشخصية ) – بالمعنى الذي تتناوله هذه الدراسة - هي         ( البذور المثالية ) التي يستطيع بها الفرد أن يرقى بها الى مستوى النوعي ، كما يقول ( هيغل ) ([1])  ، فان هذا يفسسر دأب الافراد والجماعات على تكوين الهيئات الاجتماعية والكيانات السياسية ، والمؤسسات الدينية ، بغض النظر عن الاشكال التي تتخذها ، والمهمات التي تدعو اليها . اذ يجد الفرد ، في عملية الارتقاء هذه تعبيراً عن نزوعه الأنساني لمواجهة المصائر المتعددة التي يعيشها مادياً ، ويعانيها روحياً وفكرياً .

        هذا لا يعني ، أن الفرد محكوم بإلغاء الكيان الخاص من أجل العام ، بل يعني تحقيق قدر من " الاتحاد بين العام والخاص ، بين الحرية والضرورة ، بين الروحي والطبيعي " ([2]) من أجل أن يحوز الفرد على الشرط الاجتماعي . من أجل ذلك يتحدد معنى " الشخصية " اذا استعرنا لغة علم الاجتماع بدلاً من لغة الفلسفة ، بأنه محصلة توافق القناعات والآراء والأهداف عند الأفراد باتخاذها شكلاً تنظيمياً اجتماعياً من دون أن ينفي ذلك وجود الفروق الفردية او تعارضها ، او حتى تناقضها ، ذلك ان " التوافق " يصبح ، هنا ، هو ثيمة اساسية في حين تصبح " الفروق " فرعية او ثانوية ...

        قد يتعرض معترض بأن هذه الفكرة – على الصعيد العلمي – تلغي الصراع بين التنظيمات الاجتماعية ( الدول ، المنظمات  ، الطبقات... الخ ...) أو تخفت من حدتها ، او حتى تؤجلها ... والرد على ذلك ان عمليات " التوافق " تاخذ أشكالاً شتّى متنوعة تبعاً لتطور الانساق الاجتماعية والحضارية ، مع ما يفرضه هذا التطور من تناقضات داخلية بوصفها تعبيراً عن حركة المجتمع او الشعب او الامة ....

        لهذا يصبح الصراع شرطاً اخر ، في جملة الشروط التي ترافق عملية ارتقاء البذور المثالية في الفرد الى مستوى النوعي ، على ان نجرد كلمة " مثالية " من معانيها الذهنية المجردة المرتبطة بالمطلق ، ثم تنظر اليها على أنها تجسيد اجتماعي نسبيّ متحقق في الواقع ، لا في " العقل الخالص " .

 

        من هذا المدخل ، نستطيع ان نرى الى " الشخصية الفلسطينية " من خلال صيرورتها التاريخية ، وتحققها الاجتماعي ، ضمن وجود الامّة القومي ، ولأنها محصلة توافق الأفراد والهيئات والمؤسسات في المجتمع الفلسطيني من أجل تحقيق أهداف كبرى في التحرير وتشكيل الدولة على الأرض الفلسطينية بغض النظر عن الوسائل ، وطبيعة المراحل ، وما تقتضيه من تكتيكات ، وما تفرزه من مستجدات على الاصعدة الوطنية او القومية او الدولية ...

        من أجل ذلك ، فان تحقق هذه الشخصية في الواقع ارتبط بتصاعد وتائر الصراع بين وجود الامة القومي واعدائها الصهيونيين ومن يقف وراءهم ... واذا كانت نتائج هذا الصراع المباشر ماثلة ، في المقام الاول ، في ما اصاب الشعب الفلسطيني من اقتلاع ونفي وشتات ، وفي ما اصاب الامة بسبب ذلك ، من تغيرات عرضية او جوهرية فان ضرورة وجود الامة القومي يفرض ان يستعلي الشعب على الاقتلاع والنفي والشتات ، ويجعل من اثار النكبة السلبية فيه دافعاً ايجابياً للدخول المباشر في الصراع ولا يتأتى لمثل هذا الدخول ان يكون ماثلاً في التاريخ الا بقسمات وطنية ، هي ما نعبر عنه بالشخصية الفلسطينية .

        ولا يخفى ان هذه الشخصية لا تكن مؤثرة الا اذا عّبرت عن قسماتها بكيان ، لقد ظل تأثير هذه الشخصية معدوماً او شبه معدوم ، في مجرى التاريخ العربي بعد النكبة ، حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من مؤتمر القمة العربي الاول عام 1964 ، غير أنّ هذا الكيان لم يستطع أن يستوعب قسمات الشخصية الفلسطينية بسبب من خضوعه لأرادات من اوجدوه ، ولعدم مقدرته على التحرك الحرّ الواعي بين الجماهير الفلسطينية ، كما ان هذه الشخصية لم تستطيع ان تعبرّ عن نفسها فعلياً ، وعلى أرض الواقع ، الا بعد انطلاقة الكفاح المسلح في مطلع عام 1965 ، بصورة حيية ، والى ان اشتدّ ساعده بعد هزيمة حزيران . يقول الدكتور حسام الخطيب : " ظلت الشخصية الفلسطينية ( ... ) ممزقة ومنهزمة وغير قادرة على مواجهة نفسها ومواجهة العالم ( ... ) وقد رضخت بحكم ظروفها الصعبة ، للتبعية والاهانة والمحاصرة ( ... ) ان اول منجزات الكفاح الفلسطيني ، بل أهمها حتى الان ، اعادة ارادة الحرية والكرامة للانسان الفلسطيني ... بعد سلسلة من العبودية والاظطهاد امتدت من عصور الانحطاط المظلمة الى الاحتلال البريطاني الى الاستعمار الصهيوني الى الانظمة العربية الرجعية ، ووكالة الغوث الدولية وظروف التشتت والبؤس  ([3]) .

 

        وبغض النظر عن كل الملابسات والصعوبات التي واجهت الشعب الفلسطيني الممزق ، وعن الأمراض السياسية والفكرية التي رافقت نشوء المنظمات الفدائية ، والاختلافات الايدبولوجية والتنظيمية فيما بينها ، وعن الصراعات التي فرضتها طبيعة العلاقات الداخلية والخارجية ، والتي ادت الى نكبات جدد - بغض النظر - عن كلّ ذلك ، فان الشخصية الفلسطينية أخذت تعبرّ عن إرادتها ، وتؤثر في مجرى التاريخ – كلاً او جزءً – من خلال كيان يمثل هذه الإرادة هو : منظمة التحرير الفلسطينية ، وقواعدها الشعبية ( النقابات ، الاتحادات ... الخ ... ) وفصائل المقاومة الممثّلة فيها ( بعد ان سيطرت عليها عام 1969 ) . وهذا ما نفهمه من قولنا إن " المنظمة هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني ، والمعبّر عن ارادته " .

        لقد أصبحت المنظمة ، من خلال كينونتها في الواقع ، وصيرورتها في الزمان ، " الشكل الموضوعي ، العام ، الشرعي ... الذي يجمع ويصهر معاً الرعايا الافراد رغماً عن كثرة الفروق التي تفصل بينهم " ([4])  ورغماً عن تعدد التيارات ، او الاتجاهات ، او الايديولوجيات التي توزعت عليها فئات الشعب الفلسطيني ، وطبقاته ، ومع أن الفروق الفردية ، وتعدد التيارات ... قد أوجدت بحكم التباين الفكري ، وتاثيرات الواقع العربي ، وتعقد العلاقات في الواقع القومي والدولي وتشابكها ، صراعاً ظاهراً او مستتراً بينها ، إلآ أنّ اتفاق الجميع على ضرورة أن تكون " خيمة المنظمة " هي الدرئية التي يحتمي بها الجميع او يتقدمون بها الى العالم ، او يدركون وجودهم المثالي من خلالها ، لا نقاش فيه ، ولا اعتراض عليه . كل ذلك من اجل ان ينتقل المستوى النوعي من مرحلة الكيان منظمة ً الى كيان دولة . وهذه مسألة مرّت بها  حركات التحرر في العالم جميعاً .

        كُتبت عشرات الروايات عن فلسطين :- الواقع والاثر . وسواء أكانت هذه الروايات ذات منحى كّلي ام جزئي ، فلا نعدم أن نجد في شخوصها ما أطلق عليه هيجل " البذرة المثالية " وسط ضجيج الهموم الذاتية ، والانشغالات اليومية التي تنهك الانسان بالمحافظة على نفسه الفردية أمام عوامل الفناء الظاهرة والمستترية لكل ، كيف يتسنى لنا ان نميز هذه " البذرة " من غيرها ، ونراقب الوعي بها ابتداءً من كومونها في الذات ، الى انكشافها وانتظامها في خيط متصل ، وتجليها في حركة المجموع يقول مروان بن وليد مسعود : " المهم عندي ان يرضى ( ويقصد اباه ) هو عني " ([5]) .

 

 

فإذا اتفقنا ان الاب يمثل بالنسبة الى الابن هنا ، احساساً بالتاريخ ؛ فهمنا بصورة اوضح لماذا انضم مروان الى الفدائيين ، فضلاً عن الأسباب المادية الاخرى . هذا الاحساس ، وان يكن غير مدرك عقلياً هو ما نقصده بالبذرة المثالية التي ارتقت الى المستوى النوعي ، متمثلة هنا بالأيمان الواعي بالكفاح المسلح . اما حين تكون هذه ( البذرة ) مدركةً عقلياً ، فانها تحاول ان تحجب الذات خلال تجليها في حركة المجموع . وهذا ما نفهمه من عبارة ( ابو النصر ) حين قال ، في رواية ( المغارة والسهل ) : " أفضل ان أبقى شبحاً " ([6])  ، بغض النظر عن الاسباب المباشرة التي دعته الى النطق بها ، والمتعلقة بشظية " اقتلعت عينيه ، وتركت على طول الجهة اليسرى من وجهه أخدوداً معتماً " ([7])  . ان كلتا العبارتين حسيتان لا أثر للتجريد المنطقي فيها ، الا أنها تحتويان ( بفطرية الاولى ، ووعي الثانية ) على الابعاد التي تربط " بين العام والخاص ، بين الحرية والضرورة ، بين الروحي والطبيعي " ([8])

        من هنا تبدأ الشخصية الفلسطينية بتشكيل ملامحها ، وهي في حالة صيرورة وفعل ونستطيع من خلالها ان نحدد السياقات الفكرية والاجتماعية التي تبلورت عنها ، وأصبحت خلاصة لها ... سواء كانت هذه الشخصية ايجابية او كانت سلبية ، اذ بالقدر الذي تستطيع به هذه الشخصية أن تلمح الى الواقع وصيرورته ، من خلال سلوكها وعلاقاتها وهواجسها ومشاعرها وأفكارها ، تكون قد حققت وجوداً فاعلاً ، وارتقت بكيانها من تمثيل الذات الى تمثيل " الغير " وبعبارة أخرى فان قيمة الشخصية فنياً ، وفكرياً ، هنا – هو بمقدار ما ترتفع الواقع – سلوكاً وعلاقات وهواجس ومشاعر وافكاراً الى مستوى الرمز .

        اننا نستطيع ، مثلاً ، ان ندرك النكبة ، وابعادها ، واثارها ، ومعالجتها من خلال شخصية سلبية كابي سعيد النحس المتشائل ([9]) بكل انتهازيتها ، ووصوليتها وطمعها ، وتذملها ، وادعائها – من وجهة نظر الكاتب ، طبعاً . وبالصورة نفسها نستطيع أن ندرك النكبة من خلال شخصية ايجابية كأم سعيد ([10]) . بكل صبرها ، وتحملها وادراكها للطريق المؤدي الى فلسطين ومن وجهة نظر الكاتب ، ايضاً . ومع أن هناك اختلافاً بين وجهتي نظر الكاتب ساسياً ، وفنياً .. ) الا ان مقدرتها الادبية أدت الى محصلة تشابه احدهما بالاخرى في كل من الروايتين المذكورتين .

 

        بعد هذا التوضيح النظري ، لا بد لنا ان نلقي نظرة اجمالية على ما استطاع الروائيون العرب ان  يوفروه لنا ، في هذا الحقل الادبي ، وعلاقة ما حققوه بذواتهم ، ومقدار الوعي الفكري والفني فيه كي نرى المدى الذي استطاعوا ان يقطعوه ابتداءً من " البذرة المثالية " ، وحتى " المستوى النوعي" .

        كتب الدكتور سهيل ادريس ، في الذكرى الخامسة للنكبة ، افتتاحية لمجلته " الاداب " ، جاء فيها :

        " هل في تاريخ العرب الحديث فاجعة اروع وادمى من ضياع فلسطين ، ومن نكبة لاجئي فلسطين ؟ ومع ذلك ، فهل هناك الا ملحمة او ملحمتان ( كذا ! ) شعريتان قصيرتان وبضع قصائد واقاصيص متفرقة في الصحف تصور هذه النكبة ، وتلك الفاجعة ؟ انها أثار قليلة ؛ شظايا كتلك الشظايا التي تناثرت في الفضاء ، ومعها بقايا الاجساد الدامية ... ثم هدأت المعركة ، واقفرت الساحة ، وساد الظلام ، واصاب الالسنة البكم " ([11])

         وبعد أحد عشر عاماً من هذه الشكوى ، استفتت مجلة الاداب نفسها عدداً من الكُتّاب في الموضوع نفسه :- " فلسطين والادب " فاتفق الجميع على تخلف الادب العربي في التعبير عن النكبة ، وعّما احدثيه في الوطن العربي من اثار . ومن امثلة ما جاء في هذا الاستفتاء ، ما ذكره الدكتور احسان عباس :  

         " ان الادب تعبير فنّي حقاً ، وقد يؤثر فينا تأثيرا بالغاً ، ولكن اين يبلغ في اثره اذا وضعته على مدى خمسة عشر عاماً ازاء واقع مفزع بابعاده وضخامته ؟ مثلاً : كل قطعة أدبية تصور اللاجئ وحالته المنكودة وتكتمل فيها العناصر الفنية تضيع وتتلاشي من النفس اذا انت رأيت اللاجئ في بؤسه الواقعي ، لان العيان يطمس كلّ تعبير " ([12])

         وبين شكوى الدكتور سهيل ادّريس المبكرة ، وتشخيص الدكتور احسان عباس المتأخر نسبياً تظل المشكلة قائمة على صعيد الادب ولا سيما في الحقل الروائي ، بغض النظر عمّا صدر من روايات حتى ذلك التاريخ ؛ لأن حاجة هذا النوع الادبي الى المعرفة التفصيلية بالواقع ، مع ما تتطلبه هذه المعرفة من مهارات في الرصد والتقنية والاداء ، ومن زمن كاف كي تتحدد حركة الواقع وتتضح ، لا تفسح مجالاً واسعاً امام الروائيين العرب كي يضربوا بسهم وافر في هذا الحقل ...

 

        وبعد اكثر من ثلث قرن من النكبة ، يتيسر لنا ان نشير الى كثير من الروايات التي تناولت " الموضوع الفلسطيني " من غير ان ندعّي لها تمثيل النكبة على وجه الأطلاق . قد تغرينا هذه الرواية او تلك ؛ وقد تضعنا غيرهما في بداية تمهدّ الطريق الى سواها ؛ وقد تثير فينا الرابعة جوانب خليقة بلاهتمام ؛ لكنها جميعا ً لا تستطيع ان ترقى بتأثيرها الفني الى المستوى الذي أثرتّ فيه النكبة في الواقع السياسي والاجتماعي من أجل ذلك ظلّت الرواية العربية ، في هذا المجال أسيرة لازمة الموضوع الكبير الذي يكون تأثيره الواقعي اقوى في النفوس من اي تعبير عنه ([13]) ، كما يذكر احسان عباس ، وبعبارة اخرى ، كما ذكرنا ، فانّ الكتّاب انفسهم لم يتيسر لهم ، فنياً وفكرياً ان يلمحوا المستوى النوعي في البذور المثالية في الشخصية الفلسطينية ، كي يكونوا قادرين على ربط العام بالخاص ، والحرية بالضرورة ، والروحي بالطبيعي .

        ومع ذلك ، أخذ التراكم الروائي يزداد صُعُداً ، لا بسبب من الاهتمام الادبي الخاص بالواقع الفلسطيني فحسب ، بل بما يفرضه هذا الواقع من تأثيرات مباشرة او غير مباشرة ، تنعكس بهذا القدر او ذاك على النتاج الروائي وتطاول النكبة في الزمن يفسح مجالاً لبلورة شيء من هذا التأثير في مواهب الروائيين العرب واهتماماتهم ؛ بغض النظر عن القيمة الفنية التي ينطوى عليها هذا النتاج .

        اذا كان الشعر ينبثق من وجدان الانسان – مهما كان معقداً ، ذهنياً ومركباً – فان يكون أسرع استجابة للتعبير عن مواجهة الشاعر لواقعه ولنفسه . في حين لا يستطيع الروائي ان يكون كذلك ؟ لانه يتحرك ، في فنّه من منطقة العقل التي يجب ان تحسب لكل شيء حساباً ، ابتداء من المادة الأولية ، ومروراً بفهمها واختيار المناسب منها ، وانتهاء بتحديد زاوية النظر الفنية اليها . وهذا كلّه ،  بقدر ما يحتاج الى تقاليد ادبية واضحة يحتاج ، في الوقت نفسه ، الى زمن كاف كي يستطيع العقل ان يبلور طريقاً ممهدة ، واضحة ، وممثمرة .

        نفهم من هذا ، ان الاحداث التاريخية الكبرى ، في حياة الامم ، تتطلب زمناً مناسباً كي يستطيع الروائي ان يتناولها بفنه . يكفي ان أذكر هنا – توثيقاً لذلك – أنّ بين الاحداث التاريخية الكبرى ، في حياة الامم ، تتطلب زمنا مناسبا كي تستطيع الرواءي ان يتناولها في فنه . يكفي ان اذكر هنا – توثيقا لذلك أنّ بين الاحداث التاريخية الكبرى التي تناولها تولستوى في روايته العظمى " الحرب والسلم " ( هجوم نابليون على روسيا عام 1812 ) ، وظهور الرواية نفسها نحواً من نصف قرن ([14]) . من اجل ذلك لا ارى مسوّغاً لشكوى الدكتور سهيل ادريس لعدم ظهور أثار أدبية تصور النكبة بعد مرور خمسة اعوام على وقوعها ، في حين جاء تشخيص الدكتور احسان عباس مناسباً بعد انقضاء ستة عشر عاماً عليها .

        ليس غريباً بعد ذلك ان تزداد حركة التأليف الروائي عن الموضوع الفلسطيني في السنوات الاخيرة ، لأن اكثر من ربع قرن تكفي لأنضاج ما كان نيئاً ، وتوضيح ما كان غامضاً ، وتحديد ما كان متشابكاً ، ولمس التأثير الكلّي بعد ما كان جزئياً ... بغض النظر كما قلت ، عن قيمة ما ظهر ، ومدى قدرته في التعبير عن الموضوع ....

        لقد ظهر من الروايات التي تتناول الموضوع الفلسطيني ، كلاً او جزءاً اكثر من خمسين رواية في مختلف الاقطار العربية  .وهذا القدر كان لوضع شروط أولية لما يجب يتبلور فيه الموضوع فنّاً روائياً ، قادراً على تلمّس بعض الحقائق الواقعية والنفسية ، كاشفاً عن اسراها ، منبئاً بمستقبلها ، ومغامراً – بعض المغامرة – في تقديم صور فنيّة مميزة عنها ( كما نجد ذلك مثلاً في ( ما تبقى لكم ) لغسان كنفاني ، و ( السفينة ) ( والبحث عن رواية سعود ) لجبرا ابراهيم جبرا ، و ( عودة الطائر الى البحر ) لحليم بركات و ( والمتشائل ) لاميل حبيبي ...) من خلال الاسلوب ، والبناء ، وعرض الشخصيات .... وسواء كان الموضوع فلسطينياً بحتاً في شخصياته واحداثه وعلاقاته كروايات غسان كنفاني ورشاد ابو شاور او كان مزيجاً من فلسطيني وعربي ، كما في روايات جبرا وحليم ، ام كان " خلفية " مستترة عن الاحداث ، لكنها تلقي بتأثيراتها فيها ، كرواية النار والاختيار لخناتة بنونه ( من المغرب العربي ) ، فانها تحاول أن تمسك بالوعي الأنساني والقومي والفردي ، صاعدة بالمأساة من وقائعها الجزئية اليومية الى تأثيرها الكلّي ( ربط العام بالخاص ... ) . ان هذا الوعي بالمأساة الذي تفصح عنه رواية الموضوع الفلسطيني تدريجياً في الزمان يكشف من ناحية ثانية ، عن درجة فهم الكاتب للأساة نفسها ومدى صعودها وهبوطها ، اتساعها وانحسارها ، سطحيتها وعمقها ، استيعابها وقصورها ... هذا يعني أنّ الروائي العربي لا يريد ان يقدم وعياً فنياً بموضوعه فحسب ، بل هو يريد ان يقدم ، من خلاله ، سواء كان فجاً او ناضجاً ، وعياً اخر لهويته الشخصية ، وموقعه الاجتماعي ، وموقفه الفكري ، يتنوع فيه ( التعالي الذاتي )

و( التعالي الموضوعي ) على حد سواء ، من أجل الخروج من ضرورة المأساة الى مملكة الحرية بهذا المعنى تصبح الرواية شهادة يتقدم بها الكاتب للواقع وعليه – وكل شهادة هي وجهة نظر ذاتية تحمل فكر صاحبها ووعيه .

       

هذه الصورة من صور الوعي ليست اكتشافاً من الكاتب الروائي فحسب بل – هي ضرورة املاها واقع الموضوع الفلسطيني نفسه على الفكر العربي بصورة عامة ، ابداعاً كان ، ام كان نتاجاً عقلياً . ومن أجل ذلك ، تبدو المعاناة التي تتحلل الاعمال الرواية ، شديدة ، قاسية ، يائسة او املة ... وذات منحى مأساوي ، وهي تعكس جهود الروائي ، لتخطى الماساة ، فنيّاً في الأقل . بغض النظر عن توالى النكسات والنكبات التي يحفل بها الواقع العربي .

        فهل استطاع الروائي العربي ان يدرك وسيلة الخروج من المأساة من خلال التراجيديا الفنية في الروايّة ([15])  .

        في الاجابة على هذا السؤال ينبغي ان نحدد في البدء الوعي الذي يعبّر عنه الكاتب العربي ، عقلياً ووجدانياً ، من خلال معرفتنا بالصورة التي تجسّد بها هذا الوعي فنّاً روائياً ... ذلك إن سبيلنا هذه ضرورة في فهم واقعنا الحضاري الذي يمدّ الكاتّب بمادته الروائية ، ومدى اسهام الروائي في اغناء هذا الواقع ومدّة بما يغنيه .

        بين رواية الدكتور جورج حنّا ( لاجئة ) عام 1952 ، ورواية جبرا ابراهيم جبرا ( البحث عن وليد مسعود ) 1979 ، فسحة زمنية طويلة صحب فيها التغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي ، تغيير مماثل في طرائق التفكير واشكال التعبير ، انعكست بهذا القدر او ذاك ، على الرواية ذات الموضوع الفلسطيني ، بقدر ما انعكست على الرواية العربية عموماً . واذا كانت الرواية الفلسطينية ([16]) .

اشدّ حساسية من غيرها ، فاننا نرى ، من خلال التراكم الكمي لعدد الروايات الصادرة في هذا الباب ، تبدلاً نوعياً في الوعي المنبثق عن هذا الموضوع ، والموجّه اليه ؛ بغض النظر عن طبيعة هذا التبدل لدى كاتب معين ذي نظرة مستقلة لا يشاركه فيها غيره الا بالخطوط العامة ، او لدى مجموعة من الكتاب ينضوون تحت لواء " ايديولوجية " واحدة واذ نرصد تطور الوعي هذا في " الرواية الفلسطينية " فلكي نرافق الفكر احتكاكه بصلابة الواقع ، ومدى استيعابه له ، وتأثره به ، وتأثيره فيه .

        تبنى صرخة ( ابي الخيزران ) التي أطلقها في نهاية رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ ([17]) عن وعي لاحق بالاحداث ، فهما كانت نبرة الاحتجاج فيها ظاهرة . فالوعي المتاخر يدل على عجز في التأثير ، لخضوعه للضرورة الاجتماعية التي لا يستطيع الفرد التملّص منها . هنا تتجسد المأساة في عجز الشخصية  الفلسطينية في مواجهتها الفردية للواقع ، من أجل هذا جاءت مصائر الشخصيات الثلاث المأساوية منسجمة مع هذا العجز . ان صرخة ابي الخيزران تمثل ، ان جاز التعبير : ( وعي العجز ) .

        هذا التشخيص القاسي يشكلّ وعي الكاتب بالواقع ، في حين نحسّ بالاحتجاج المباشر في رواية الدكتور جورج حنا " لاحئة " ، من دون ان نلمس وعّياً مشخصاً  لقد اعترف الدكتور حنا بذلك ، اذ ذكر في مقدمته للرواية أنّه لم يكتب " رواية بالمعنى المعروف بالرغم من قالبها الروائي .... " فقد مزج " العرض ، التصويري لواقعات حدثت بالفعل " ([18])  بمقالات سياسية بثهّا بين فصول هذا العرض فاضاع الرواية والمقالة معاً ... ولذلك لا تصلح ( لأجئة ) ان تكون شهادة وعي فنّية بقدر ما تصلح ان تكون مساهمة في تبصير ما حدث ، لا تخلو من مباشرة وتقريرية وتفخيم عواطف ، بهدف اثارة مشاعر الشفقة والرحمة ، وليس تنبيه الوعي ؛ ولذلك اختارلها شخصيته نسائية لتحقيق هذا الغرض . وقد وضع الكاتب حين اختار شخصية نسائية ، للعرف الاجتماعي السائد الذي ينظر الى المأساة بوصفها كائناً ضعيفاً تستحق العطف والرعاية ، بسبب من الظلم الذي وقع عليها ، ولا تستطيع له دفعاً ؛ لا بوصفها انساناً يواجه مشكلات الحياة والموت كغيره من بني البشر الذين يخضعون لظروف ماساوية تقتلع الانسان من ارضه وتلقيه في الشتات ، والغريب ان مثل هذه النظرة تتناقض وتقدمية الكاتب .

        من أجل ذلك فقدت الرواية عنصرين اساسين : وعي إجتماعي بالشخصية الروائية وسياقها التاريخي والاجتماعي ، ومهارة فنّية روائية قادرة على اقناعنا بحضور هذه الشخصية وقبولها عقلياً ووجدانياً . وبفقدان هذين العنصرين لم تستطع ( لأجئة ) أن تنهض بموضوعها ، كما ينبغي ، ومع ذلك ، فانها أول رواية تناول كاتبها فيها هذا الموضوع ؛ فلها فضل الريادة ، من غير إن نُعطي للمؤلف عذرا بأنه ، في واقع الأمر ، ليس روائياً ، حاول أن يجرب موهبته في حقل بلا عُدّة كافية.

         ويتخذ عيسى الناعوري في روايته القصيرة ( بيت وراء الحدود ) لجورج حنا لا لتقائهما في النتيجة . يتوصل عيسى الناعوري في هذه الرواية الى الحكمة التقليدية المعروفة : ( ارحموا عزيز قوم ذل !) من خلال نظرة تقيم سداً بين أساس الموضوع واثاره الواضحة . واذا كانت الرؤية الفنية القاصرة في " لأجئة " قد أحالت النظرة التقدمية الى عاطفية تثير الشفقة ، فان الرواية الفنية القاصرة نفسها في ( بيت وراء الحدود ) قد جعتت من ( مثالية ) الكاتب ساذجة ، غير مقنعة ، وذات شخصيات مسطحة ، لا وجود الا في ذهن الكاتب ، لانه لم يستطيع أن يمنحها مميزات مستقلة في السلوك والاخلاق هي نتيجة للتفاعل بين الذات والواقع ، الامر الذي افقدها بعدها الاجتماعي ، ودلالتها النفسية ففقدت مبررات تمثيلها للشخصية الفلسطينية .

        أمام هذه السذاجة في تناول موضوع خطير ، كالذي نحن فيه ، تبرز أمامنا مشكلات اكثر تعقيداً حين نتناول روايات ذات أصول فنيّة عالية ، واحكام في الصنعة ظاهر ، والتماس أساليب متميزة وغير تقليدية ، ولاتخلو من مغامرة فنيّة . هذه المشكلات يمكن ان نلخصها في ان الشكل الفني لا يستطيع ان يقنعنا بقدرة ما ينطوي عليه ، وما يوحي به . أن رواية ( البحث عن وليد مسعود ) تقدم شخصية مركزية ، وقد قدمّها لنا الكاتب من خلال زوايا نظر متعددة ([19])  مجموعة شخصيات كانت ترتبط بوليد مسعود بعلاقات صداقة او حبّ ، وكل شخصية تتحدث عن وليد مسعود للوصول الى السرّ المجهول الذي احاط بأختفاءه ، من دون ان ينظر وليد مسعود على مسرح الرواية الا من خلال ذكريات طفولته حين كان في القدس فقط يتظهر لنا ، من خلال زوايا النظر المتعددة هذه ، شخصية غريبة لا شبيه لها في الواقع ؛ شخصية متفوقة في كلّ شيء ، وخائف حدّ الاعجاز: في الحب ، في الجنس ، في الفكر ، في الحصول على المال ، في السفر ، وفي الفداء . لا اظنّ أنّ مثل هذا التفوق المطلق يقنعنا بحقيقة وجوده . لكننا اذا نظرنا الى هذه الشخصية من خلال "الاشياء في قرائتها وحركتها معاً " ([20]) ، كما يقول الناقد الامريكي كارلوس بيكر ، نستطيع ان نلمس فكرة جبرا القائمة على تجسيد ( التفوق الفلسطيني ) كي يكون الحقيقة الماثلة التي تواجه التفوق الصهيوني الكاذب ، كما تتناوله الادبيات الصهيونية ، الفكرية والفنية . امام هذا التفوق يصبح كل شيء مبررّاً لدى مسعود ؛ وبهذا يضع جبرا ( المستوى النوعي ) للانسان اساساً لبذوره المثالية مع ان العكس هو الصحيح . ومع ذلك ، نستطيع ان نعد هذه الشخصية مثالاً كما يجب ان يكون عليه الانسان الفلسطيني لا كما كان او هو كائن ومثل هذا الفهم المستقبلي مسوّغ فنّي ، بغض النظر عن التفصيلات المتعددة التي تثير كثيراً من الاعتراضات الفنية والفكرية .

        في حين نرى أن شخصية سهيل في رواية ( ستة ايام ) ذات منزع وجودي – بكل ما يعنيه هذا المنزع من تمرد فردي يرفض العادات والتقاليد والعقائد سلوكاً ذاتياً صادماً – فسّر به الكاتب النكبة ، من غير ما يقدر ما اذا كانت النكبة تستدعي مثل هذا التفسير او لا تستدعيه . وهذا أوجد شدخا كبيراً في الرواية جعل الاشياء في قرائتها تتناقض مع الاشياء في حركتها . لقد اصبحت الشخصية في الرواية صورة ذاتية للكاتب نفسه . ومما يعزز هذا الرأي أن شخصية رمزي في روايته التالية ( عودة الطائر الى البحر ) تأخذ ملامح شخصية ( سهيل ) بتمامها ، ليفسر من خلالها نكبة حزيران من اجل هذا تتحرك الشخصية خارج الفعل التاريخي ، ولا تجد ملجأ لخلاصها سوى ترجيعات ثقافية بحت رافظة للتاريخ والواقع والاسطورة ، في حين لا  يجد مناصاً ، مثلاً ، من تفسير الواقع بالاسطورة [21] . وهذا تناقض ظاهر يشوّه الحقيقة والأسطورة معاً ، ويفقدهما دلالتها . فلا المنزع الوجودي في ( ستة ايام ) استطاع أن يقنعنا بحقيقة الاحداث والاشخاص في بلدة ( دير البحر ) عام 48 ، ولا موقف رمزي الرافض في (عودة الطائر الى البحر ) استطاع كذلك ان يقنعنا بالمناخ الواقعي والفكري – بمنطق الفن – الذي احاط بهزيمة حزيران عام 1967 .

        ان حليم بركات ، لم يُقمْ فاصلاً ، في روايتيه هاتين ، بين ذاته وشخصياته الروائية ، الامر الذي يؤدي الى فقدان " الموضوعية الفنية " التي يهدف اليها الأثر الروائي ، فينبهم الواقع ، وتصبح الشخصيات نُسَخاً متعددة من المؤلف : يتحدثونه بلسانه ، ويتصرفون وفق رغبته . ومثل هذا القول ينطبق ، على شخصية جميل فران في رواية جبرا ( صيادون في شوارع ضيقة ) ، بغض النظر عن الملاحظة التي اثبتها في بداية الرواية ([22] ).

        غير أننا نفشل تماماً حين نبحث عن غسان كنفاني ، او رشاد ابو دشر او أفنان القاسم ، في ايّ من الشخصيات التي قدمتها رواياتهم . لقد أقاموا بينهم وبين الاحداث والاشخاص والعلاقات الاجتماعية ، وحاولوا ، من خلال استيعاب هذا المزيج ، الوصول الى الحقيقة الخفية وراءهم من دون ان نشعر بأيّ تدخل مباشر منهم في سياق الرواية ؛ فجاءت مهارتهم في ادارة الاحداث والاشخاص والعلاقات مستترة . وبنجاح الكاتب او اخفاقه هنا متأت من قدرته على اقناعنا بحقيقة ما يجري ، من غير ان يمنع هذا من ان تكون للرواية محصلة فكرية ، هي ما اراد الكاتب ان يشير به الينا .

        ويكاد يكون في موقف الكاتب من فنه ، وموقفه من نفسه ومجتمعه ما يفرض عليه طبيعت التجربة القصصية . فالسذاجة الفنيّة في ( لاجئة ) – وقبلها ايضاً ( سنوات العذاب ) لهارون هاشم رشيد ، تقود الى سذاجة في المضمون مهما كان الكاتب واعياً نفسه ومجتمعه ... كما أنّ الفهم القاصر للموضوع يقود الى تشويهات فنية ، كما هو الحال عند عيسى الناعوري . أما اذا كانت مهمة الروائي " هي ان يتغلل الى اعماق وعيه ، واقاصي تجربته ، ويستخلص منها صور الحياة " ([23])

فانه لا يستطيع إلّا أن يكون لحليم بركات ولا سيما بخاصة اذا جعل من " اعماق وعيه ، واقاصي تجربته " معياراً لتصوير تجارب الاخرين . واذ وقع جبرا فيما وقع فيه حليم في ( صيادون... ) الا انّه تخلص ؛ بصعوبة من شرك نفسه في روايتيه اللاحقتين ( السفينة ) و ( البحث عن وليد مسعود ) ، ولكن من خلال الاجواء والشخصيات التي يستسغيها علمه وذوقه وتطلعه ([24]) على حد تعبيره .

        لا أهدف هنا ان أتناول الروايات جميعاً بالتصنيف الفكري والفنّي المفصل ، بل هو ان اقدم الخطوط العامة التي سارت عليها روايات الموضوع الفلسطيني ، من خلال بعض الامثلة التي باستطاعتها أن تشير الى مثيلاتها ، وتندرج في سياقاتها . وسيتضح لنا ذلك في صلب الدراسة حين تتوزع الشخصية الفلسطينية على ملامحها المتنوعة بحسب قدرة الكتّاب ووعيهم في تناول مادتهم .

        غير أننا يجب أن نكون على وعي تام بأن رواية ( الموضوع الفلسطيني ) لم تتبلور عن تقاليد عريضة ذات خطوط عامة تستطيع أن تحدّد اتجاها ، أو تياراً او مدرسة في تاريخ الرواية العربية الحديث ، ذلك أن تراكمها كان يخضع لاتجاهات متعددة ، تختلف فيما بينها ؛ وهي الاتجاهات نفسها التي تمضّخت عن الرواية العربية ، وتحددت وفقاً لمسارها التاريخي . غير أنّ هذه الملاحظة العامة لا تمنعنا من نذكر ان معظم الروائيين الذين تناولوا " الموضوع الفلسطيني " هم من الكتّاب الفلسطينيين لانهم عاشوا الحالة الفلسطينية جسداً وروحاً ، فكراً ووجداناً ، وتقلبوا في أطوارها نكبة ، وتشريداً ، ونفياً ، وخيبة ، وتحفزاً ، وثورة ، لقد جاءت معرفتهم تفصيلية باللمسات الدقيقة لمجمل الحياة الفلسطينية ، في المدن ، والملاجئ ، والمخيمات ، وقواعد الثورة ، لأنهم – ببساطة – جزء من مادتها البشرية ، ولان أعمار طائفة منهم بدأت في فلسطين ، ثمّ انتقلت ، بعد سكين النكبة ، الى ( المنفى ) ، كما ان طائفة منهم ظلت في فلسطين تحت الاحتلال الاول ( 1948 ) والثاني (     1967 )

        ولهذا السبب اصبحت رواية ( الموضوع الفلسطيني ) التي كتبها الفلسطينيون ادلّة على الواقع الفلسطيني من تلك التي كتبها اشقاؤهم من العرب إلّا في حالات استثنائية جداً ، كرواية عرس فلسطيني لأديب نحوي ، السوري ، التي تفوح منها رائحة الواقع الفلسطيني " بلغتها اليومية الفذة التي لها طعم الدم والعرق والشجر" ، كما جاء في صفحة غلافها الاخير . ([25])  في حين تفشل رواية عبد الرزاق المطبي ، العراقي " ثقب في الجدار الصديء " ([26])  في تصوير واقع القرية الفلسطينية ، روائياً ، لعدم معرفته التفصيلات حياتها اليومية ، وما تشمل عليه من عادات واخلاق وأعراف ، وطقوس وازياء ، الامر الذي جعله ينسب اليها ما هو خليق بقرية من قرى جنوب العراق . وهذا ما نراه ، ايضاً ، في رواية حليم بركات ( ستة ايام ) فقد سقط على بلدة ( دير البلح ) عادات لم تبلغها ، وافكاراً وجودية غريبة عنها ، حين صور أوضاعها أيام نكبة 1948 وكما ذكرنا ، قبل ذلك ، بقليل .

        هل يعني هذا أن رواية الموضوع الفلسطيني لا يجيدها إلّا الكتاب الفلسطينيون ؟ لا أريد ان أقطع برأي حاسم في هذا الصدد ، غير ان في ايدينا من روايات عربية يشير الى مثل هذا المعنى ، بغض النظر عن الاستثناءات التي المحت اليها . غير أن مثل هذه الاستثناءات قد تصبح قاعدة اذا تيسّر للكتّاب العرب ما تيسّر لأدب نحوي ، مثلاً ، من فهم دقيق لخصوصية التجربة الفلسطينية ودقتها النفسية والاجتماعية .

حين ألقيت هذا السؤال ، كنت أدرك ان تجربة الكُتّاب الفلسطينين في الحقل الروائي ، تجربة قصيرة قياساً على تجربة الكتّاب العرب ، في الحقل نفسه . ومع ان " رُوّاد " رواية الموضوع الفلسطيني كانوا من الكتاب العرب ( جورج حنا ، عيسى الناعوري ، حليم بركات ) بصورة عامة ، إلّا ان من ظهر الكتّاب الفلسطيينين ، بعد ذلك ، قد اوقفوا تجربتهم الروائية على الموضوع الفلسطيني ، وبرزو فيه بروزاً واضحاً ، وبقسمات فلسطينية مستندين في فنّهم على ما كان قد تحقّق من تقدم ملموس في الرواية العربية ، منذ تأسيسها الحديث على يد محمد حسين هيكل ، وطه حسين ، وعبد القادر الماراني ، وتوفيق يوسف عوّاد ، حتى وصلت ما هي عليه ( ممثلة بفنّ نجيب محظوظ الواسع العميق ) مستفيدين – في والوقت نفسه – من كلّ المؤثرات الاجنبية التي أثّرت في الرواية العربية ، بوصفها جزءا من كلّ ...

        وليس غريباً ان نذكر ان نشوء رواية الموضوع الفلسطيني بين الكتاب الفلسطينيين قد رافق نشوء الوعي بالشخصية الفلسطينية ، والتعبير عنه بأشكال سياسية منظمة ذات برامج وأهداف وسبل ( تحرير الارض بالكفاح المسلّح لتكوين الدولة الفلسطينية ) ، كما انعكس مثل هذا الوعي على الكتّاب العرب أنفسهم بصورة مباشرة او غير مباشرة .

        أن نشوء هذاالوعي ، والتعبير عنه تطور نوعي في حياة الشعب الفلسطيني ، وانتقال به من حالة الوجود الضائع الى الوجود المشخّص . وبقدر ما يدل على الفعل الايجابي فانه يدل ايضاً على تمثيل عقلي متعالٍ وهذان الحدّان بالتأثير المتبادل بينهما ( جدل الفكر والفعل ) وبصيرورتهما في الزمان والمكان يعبران ، في الوقت ، عن ادراك حضاري جديد ، دون ان ننسى أن هذا الادراك لا يلغي ابداً لمعوقات التي تواجهه سواء كانت هذه المعوقات موروثة او مستجدة .

        أخلص من هذا الى أن ( الرواية ) هي اقدر الفنون الأدبية الحديثة على تمثل هذا الادراك والتعبير عنه في الوقت الذي تنبثق فيه ( الرواية ) عن هذا الدراك أيضاً – بهذا المعنى نفهم كم استطاعت رواية الموضوع الفلسطييني أن تنشأ وتتطور انها وجه الحضارة الادبي – عندنا – وهو في حالة نهوض ، ولهذا نرى ان مثل  هذا التطور في الواقع الفلسطيني  وهو تطور نوعي وثوري – يستدعي الروائيين ان كانوا مبدعين حقّاً " ان ينقبوا عميقاً " في الاسس الاجتماعي " للعمل الفردي" ([27])  وهذا هو ما اعنيه بالتقبس الذي اخذته من هيجل بداية البحث ، من ان " البذور المثالية " هي التي يستطيع الانسان ان يرقى بها الى مستوى النوعي .

       

 

 

 

 

 

الهوامش حسب ورودها في البحث

1-المدخل الى علم الجمال : هيغل ، ترجمة جورج طرابيش ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1980 ، ص112 .

2-المصدر نفسه / 112

3- الثورة الفلسطينية : الى اين ؟ د . حسام الخطيب مجلة " شؤون فلسطينية " ص 1 "

4- المد خل الى علم الجمال / 112

5- البحث عن وليد مسعود ، جبرا ابراهيم جبرا ، منشورات الاداب ، بيروت الطبعة الاولى 1978 / ص283 .

6-  المغارة والسهل ، زهير الجزائري ، مطبعة الرواد ، بغداد ، 1976 ، ص 29

7- نفسه ص29

8- المدخل الى علم الجمال / 112

9- الاشارة هنا الى رواية أميل حبيبي " الوقائع الغربية في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل " دار ابن خلدون ، الطبعة الثامنة بيروت ، 1974 .

10- الاشارة الى رواية غسان كنفاني القصيرة " ام سعد " ، الاثار الكاملة  ، الروايات ، المجلد الاول  ، بيروت ، دار الطليعة ، الطبعة الاولى 1972 ، ص 235-336 .

11- الاداب ، العدد الخامس ، بيروت 1953 ، ص5

12- الاداب ، العدد الثالث ، السنة 12 ، بيروت ، اذرار ، 1964 ، ص3

13- ينظر مقدمة احسان عباس الاثار كمال ناصر الشعرية ، ص13

14- ينظر : المجلد الرابع من اعمال تولستوى الكاملة : الحرب والسلم 1 ، ترجمة سامي الدروبي وزارة الثقافة والارشاد القومي ، دمشق 1976 ، ص 35

15- أرجو ان يكون واضحاً أننى استعمل لفظة مأساة لتدل على الواقع ، في حين استعمل لفظة " تراجيديا " لتدل على انعكاس الواقع في الاثر الادبي – والرواية هي المقصوده هنا .

16- لا اقصد بالرواية الفلسطينية . هنا  ،الرواية التي يكتبها الفلسطيني ، بل التي تتخذ من الواقع الفلسطيني ن كلا او جزءاً ، موضوعاً لها ، ايّا كان كاتبها في الوطن العربي

17 - الاثار الكاملة ، 1 : 152

18- لأجئة ، 3

19- هناك أمثلة اجنبية وعربية تتصل بهذه الطريقة باكثر من صلة ، كرواية " الرباعية الاسكندرية " للكاتب البرطاني لورانس داريل ، والرجل الذي فقد ظله " لفتحي غانم و" ميرامار " لنجيب محفوظ ، ورواية السفينة لجبرا نفسه

20 - ارنست همنغواي ، دراسة في فنه القصصي / 84

21- ينظر : ستة ايام ، ص ( 14 – 16 ، وعودة الطائر الى البحر ، ص ( 93 – 94 )

22- صيادون في شوارع ضيقة ، ص5

23- الحرية ، والطوفان ، ص 137

24- المصدر نفسه  ، ص 137

25- يخيل لي ان أديب نحوي ، قد كتب هذه الرواية بعد ان عاش طويلاً بين لاجئ ، قرية " البصة " القريبة من عكاء وعرف لهجتهم ، واغانيهم ، واعراسهم ، وتحسسها تحسساًكاملاً بروحه وجسده

26- ثقب في الجدار الصدئ ، عبد الرزاق المطبي . مطبعة العزي الحديثة ، النجف ، 1968

 27- الرواية كملحمة برجوازية : جورج لوكاش ، ترجمة : جورج طرابيشي / دار الطليعة للطباعة النشر ، بيروت ، الطبعة الاولى 1979 – ص12 .

ملاحضة : قد اخطأ المترجم في العنوان والمقصود الرواية ملحمة برجوازية .

 

المصادر والمراجع :-

 

  1. اعمال تولستوى الكاملة : الحرب والسلم 1 المجلد الرابع ، ترجمة سامي الدروبي وزارة الثقافة والارشاد القومي ، دمشق 1976م .

  2. الاثار الكاملة ،  غسان كنفاني ، المجلد الاول ، بيروت ن دار الطليعة ، الطبعة الاولى ، 1972 م .

  3. البحث عن وليد مسعود ، جبرا ابراهيم جبرا ، منشورات الاداب ، بيروت الطبعة الاولى ، 1978 م .

  4.  الثورة الفلسطينية  الى اين ،  د . حسام الخطيب مجلة " شؤون فلسطينية ، العدد17 ،1975 م .

  5. الحرية والطوفان ، لجبرا ابراهيم جبرا ، الموسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1982 م .

  6. الرباعية الاسكندرية ، للكاتب البيرطاني لورانس داريل  ، ترجمة فخري لبيب ، دار سعاد الصباح ،1992 م .

  7. الرجل الذي فقد ظلة ، فتحي غانم ، دار التحرير للطبع والنشر ، مصر 1962 م .

  8. الرواية كملحمة برجوازية : جورج لوكاش ، ترجمة : جورج طرابيشي / دار الطليعة للطباعة النشر ، بيروت ، الطبعة الاولى 1779 م  .

  9.  السفينة , جبرا ابراهيم جبرا , دار النهار , بيروت 1970 م .

  10. المدخل الى علم الجمال : هيغل ، ترجمة جورج طرابيش ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، الطبعة الثانية 1980م .

  11. المغارة والسهل ، زهير الجزائري ، مطبعة الرواد ، بغداد ، 1976

  12. الوقائع الغربية في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل  دار ابن خلدون ، الطبعة الثامنة بيروت ،  م1974 .

  13. في الجدار الصدئ ، عبد الرزاق المطبي . مطبعة العزي الحديثة ، النجف ، 1968م .

  14. ارنست همونكواي , دراسة في فنه القصصي , ترجمة احسان عباس , مراجعة محمد يوسف نجم.دار مكتب الحياة 1959م .

  15. سته ايام , حليم بركات , دار مجلة الشعر , بيروت , 1961 م .

  16. صيادون في شارع ضيق , جيرا ابراهيم جبرا , ترجمة محمد عصفور , دار الاداب بيروت 1974 م .

  17. عودة الطائر الى البحر , حليم بركات , بيروت , 1969م .

  18. لاجئة , دكتور جورج حنا, ترجمة ياسين طه حافظ , رباعية الحرب , بيروت , 1985م

  19. مجلة الاداب , العدد الخامس , السنة الاولى بيروت , ايار , 1953

  20. مجلة الاداب العدد الثالث السنة 12 , بيروت , اذار 1964م

  21. مقدمة احسان عباس , لأثار كمال ناصر الشعرية , المؤسة العربية لدراسة والنشر سنة 1975

  22. ميرمار ، نجيب محفوظ ، مصر ، 1982 م .

 

 

 

 

 

 

Title

The character of the Palestinian personality in Arabic Novel

Author: DrRudhabHafid Hameed

Scientific Title : Lecturer

Ministry of Education

Vocational Education/ RussafaOwlla

Russafa Secondary Manufacturing School

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Title

The Palestinian Novel (general view)

Author: Rudhab Hafid Hameed

Abstract:

If we agree that ‘character’ in this article represent ‘ideal seeds’ that can be raised in quality level, as HEGEL said, that explain tendency of individuals and communities to form societies, political entities and religious institutions, regardless the shape that it takes and mission that it aims, the person find in this process of humanity vision to face variety of destiny that he live in venue and mind.

This doesn’t mean that individual cancel his personal entity because of general one but means proper matching between both, between freedom and necessity, in order to gain the conditioned society, and this matching is the principle value while differences become secondary or tributaries.

The research answer this idea, how to be implemented in practical base, and if this idea or vision stops this struggle between social classes through Palestinian subject, and if we inquire that Arab writers in Palestinian Novel are succeeded or failed

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محرك البحث

آخر تحديث

الاحصائيات

مواضيع من موقعنا

جميع الحقوق محفوظة لدى جامعة الامام جعفر الصادق (ع) © 2016
3:45